ويبدو أن ابن سينا كان ينتهز الفرصة ليطعن على معاصريه ومنافسيه من الفلاسفة الذين يعارضون المشائية، ويأخذون بالأفلاطونية. غير أن تاريخ هذا العصر مع الأسف مجهول وغير واضح، ولسنا نعرف على التحقيق من هم أولئك الأفلاطونيون المعاصرون للشيخ، ولو أنه في إحدى رسائله إلى أبى جعفر الكيا يفصح عن أنهم جماعة من البغدادية ويصفهم بالضعف والجهل والتقصير ويقول عنهم: البله النصارى من أهل مدينة السلام [1] .
وفى رسالة للشيخ إلى علماء بغداد يسألهم الإنصاف بينه وبين رجل همذانى يدعى الحكمة يزعم ابن سينا أنه صادف بمدينة همذان: «شيخا وافر العلم، إلا أنه لما اكتشف مذاهبه صادفها غريبة عجيبة مباينة لما فهم عن الأقدمين. أما المنطق فمنطق آخر وإذا تكلم تكلم بنوع آخر من المقاييس يراها منتجة لمطلوبها، وهى غير منتجة لها بالفعل ولا بالقوة القريبة» [2] .
غير أننا نجهل شخصية هذا الهمذانى الذى أخذ من أفواه معشر الحكماء بمدينة السلام.
الذى يعنينا أن أرسطو لم يتعرض لأفلاطون في كتابه، ولو أنه ذكر سقراط في آخر الكتاب بمناسبة طريقته التى كان يتبعها من سؤال محاوره دون أن يجيب هو زاعما أنه جاهل، وكان غرضه إيقاع محاوره في التناقض. ومع ذلك لم يذهب أرسطو إلى أن سقراط كان مغالطا.
أما ابن سينا فإنه يتعرض لأفلاطون، ويصرح باسمه ففى افتتاح المقالة الثانية يقول: «قال المعلم الأول: والذى يؤثره بعض الناس من قسمة الأقاويل ويعنى به أفلاطون أن بعضها موجود بحسب الاسم،
(1) انظر عبد الرحمن بدوى أرسطو عند العرب، ح 1، 1947ص 121119
(2) يحيى مهدوى، فهرست مصنفات ابن سينا، تهران 1333، ص 118