فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 534

أما وهذه خطورة الكتاب، فماذا عسى أن يكون تأثيره في تطور الأدب العربى لو أنه ظفر من ابن سينا ثم من ابن رشد بما هو خليق به من عناية؟.

سيقول قائلهم: ان الظروف فيما بين العالم الاسلامى والعالم الاوربى الحديث مختلفة، فليس لنا أن نقيس ما حدث في الواحد على ما كان ينتظر أن يحدث في الآخر. وهذا قول لا نقرهم عليه:

فلئن زعموا أولا أن الشعر العربى والأدب العربى أو الفارسى اجمالا لم يعرف المسرحية، وهى حجر الزاوية في مذهب أرسطو في كتاب «فن الشعر» ، فلم يكن المعرب أن يفيدوا من هذا الكتاب لأنه لم يكن يتحدث عن أمور معروفة لديهم في لغتهم فنحن نجيبهم عن هذا الزعم قائلين:

أن الحال أيضا كانت كذلك في أوربا في نهاية العصر الوسيط ومستهل عصر النهضة: ففى ذلك العهد لم توجد مسر حيات حقيقية باللغات الأوروبية الناشئة وما يسمونه باسم «الأسرار» ، وهى التمثيليات ان صح هنا هذا التعبير الدينية الأولية ليست هى المسر حيات بالمعنى الفنى المعروض في كتاب «فن الشعر» لأرسطو، ولا تكاد تنطبق عليها قاعدة واحدة من القواعد التى فصل أرسطو القول فيها بل هى أقل قيمة من تشخيصات «خيال الظل» التى عرفت من بعد في الأدب العربى، لدى ابن دانيال، وفى عصر اسبق من عصر «الأسرار» في أوربا، أو يدانيه انما كان الشائع هو الشعر الغنائى الذى ابدع فيه التروبادور والتروفير والمينسنجر، ثم الملاحم الأولية التى تشبه الى حد بعيد قصصنا البطولى والقصصى الفارسى البطولى الذى انتشر في البيئات الثقافية الاسلامية منذ القرن الثالث، وبخاصة في القرنين الرابع والخامس اللذين فيهما عاش ابن سينا. أجل! ان شعر دانته كان طويل النفس على نحو لم يعرف نظيره في الشعر العربى. ولكن دانته لم يكن هو النهضة، بل كان حظه منها أقل من حظ پترركه الممثل الأكبر للنزعة الانسانية و پترركه شاعر غنائى قصير النفس، أقصر بكثير من أصحاب القصائد الكبرى في الشعر العربى. فضلا عن أن طول النفس ليس بذى خطر في هذا الباب.

واذن فالحجة التى يسوقونها ها هنا لتبرير عدم تأثير «فن الشعر» لأرسطو في العالم العربى على أساس أن حال الشعر كانت مختلفة عن حال

الشعر الأوربى في عصر النهضة، هى حجة داحضة لا محصل لها ولا أساس من الواقع التاريخى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت