واذن فالحجة التى يسوقونها ها هنا لتبرير عدم تأثير «فن الشعر» لأرسطو في العالم العربى على أساس أن حال الشعر كانت مختلفة عن حال
الشعر الأوربى في عصر النهضة، هى حجة داحضة لا محصل لها ولا أساس من الواقع التاريخى.
وسيقول قائل آخر: ان العلة في عدم افادة العرب من كتاب «فن الشعر» لأرسطو أن ترجمة هذا الكتاب الى العربية كانت فاسدة، وغير مشفوعة بشروح جيدة من نوع ما ظفرت به كتب أرسطو الأخرى، كشروح الاسكندر الافروديسى وثامسطيوس وغيرهما. وتلك حجة متهافتة هى الأخرى. حقا ان ترجمة أبى بشر متى بن يونس القنائى لكتاب «فى الشعر» ترجمة رديئة، خصوصا في ترجمة المصطلحات الرئيسية مثل الطراغوديا والقوموديا، اذ ترجمهما على التوالى: المدح والهجاء. ولكن هذا لم يقع الا مرات قليلة، وفى بقية الكتاب أبقى الكلمات على نطقها اليونانى المعرب، بحيث لا يخطئ الذهن المتوقد المعنى الحقيقى المقصود، كما يظهر من تلخيص ابن سينا نفسه وتلخيص ابن رشد، وان كنا نرجح أن يكونا قد اعتمدا على ترجمة أخرى، هى ترجمة اسحق بن حنين المفقودة. بل نحن لا نزال حتى اليوم نتخبط في ترجمة هذه المصطلحات نفسها، ولا نزال نسميها بأسمائها الأعجمية فنقول: التراجيديا والكوميديا والساتير الخ أى اننا نستعمل نفس المصطلحات التى استعملها أبو بشر متى بن يونس، ومع ذلك فنحن نفهم معانيها ولا نجد هذه الألفاظ الأعجمية عقبة في سبيل فهم المقصود منها. ماذا أقول! بل انى وجدت في ترجمة «فى الشعر» لمتى بن يونس ترجمات جيدة رأيتها أوفق مما نستعمله اليوم للعبارة عنها. واذا كانت ترجمة متى سقيمة العبارة، فلم يكن هذا السقم مقصورا على كتاب «فى الشعر» ، بل تعداه الى معظم كتب ارسطو، وبخاصة كتاب «السوفسطيقا» الذى ترجم على الأقل أربع مرات [1] كلها سقيمة، ولم يمنع هذا كله من اجادة المناطقة العرب في فهم باب المغالطات وادماجه في بقية المنطق في نفس المرتبة التى ظفر بها كتاب «المقولات» أو كتاب «البرهان» .
أضف الى هذا أن الترجمة العربية قد اعتمدت على مخطوط لعله يرجع الى القرن السادس الميلادى، عند ما ترجم الى السريانية، ومن هذه الى العربية. ومن المسلم به بين النقاد أنه أقدم [2] المخطوطات بل كان
(1) نشرناها كلها في «منطق أرسطو» ج 3، القاهرة سنة 1952.
(2) راجع عن هذه المسئلة مقدمة كتابنا «فن الشعر» ص 28، ص 38. القاهرة سنة 1953.