اشعار ملاحم قصيرة، وبعضها مراث ايليجية ومقطعات غنائية فكان عليه اعنى ابن سينا أن يقدر الشعر اذن ومكانته، وأن ينبه الشعراء الى هذه الأبواب الجديدة التى لم تعرف في الشعر العربى بل وأن يعالج بعضها أو بحاول ذلك ما استطاع اليه سبيلا. ولكنه لم يفعل شيئا من هذا كله، فجنى بهذا على الأدب العربى كله، لأنه لم يكن ينتظر من أبى بشر متى وكان شبه أعجمى في العربية أو أضرابه من الترجمين ان يقوموا بهذا الواجب انما كان على ابن سينا، بوصفه الممثل الأكبر للثقافة اليونانية في عصره أولا، وبوصفه شاعرا ثانيا، أن يتولى هذا العمل.
على أن الدراسة التفصيلية لتلخيص ابن سينا لكتاب «فى الشعر» لأرسطو تكشف لنا عما يلى:
(أولا) : انه حاول أن يتجاوز التلخيص المجرد، وأن يجتهد. وهذا الاجتهاد يظهر فيما يلى:
(أ) ايراد بعض الشواهد من الشعر العربى. ولكنه في هذا أيضا قصر تقصيرا شديدا، ولذا فاقه ابن رشد في هذه الناحية: لأن ابن رشد بذل وسعه في التماس أوجه الشبه بين ما يورده أرسطو عن الشعر اليونانى، وبين ما عسى أن يناظره في الشعر العربى، وحاول تطبيق القواعد التى قعدها أرسطو على الشعر العربى فأكثر من الشواهد وأن كان هذا التطبيق والحق يقال غير موفق في معظم الأحوال. ولكن المهم في هذا كله أن ابن رشد أستفرغ جهده فكشف عن اجتهاد ان يكن حظه من الأصالة ضئيلا فهو اجتهاد على كل حال وللمجتهد كما يقولون أجران ان أصاب، واجر واحد ان أخطا. وهذا كله فعله ابن رشد في غير ادعاء اجوف: الاجتهاد في ابتداع كلام «شديد التحصيل والتفصيل» كما يزعم ابن سينا. وحتى هذه الشواهد والموازنات التى قام بها ابن سينا تقتصر على المقدمة الاستهلالية التى قدم بها لتلخيصه واعتمد فيها على ما عرفه من كتاب الخطابة، وعلى ما استقر عند البلاغيين العرب في القرن الرابع وأوائل الخامس. ولهذا لا يصح أيضا أن نقول انها موازنات بين الشعر العربى والشعر اليونانى، كما هى الحال في تلخيص ابن رشد.
(ب) استشهاده، في باب المحاكاة، بالصور التى يرسمها أصحاب مانى. ومعنى هذا أن المدرسة التى كونها مانى في التصوير وتبعه عليها اصحابه من أهل مذهبه كانت معروفة لدى ابن سينا. وهذا أيضا مما يزيد في القاء اللوم على ابن سينا، لأنه شدا طرفا من الفنون غير الشعر، فعرف
التصوير وشاهد له نماذج يحتمل أنها كانت ممتازة، ما دامت تنتسب الى مدرسة مانى.