(ب) استشهاده، في باب المحاكاة، بالصور التى يرسمها أصحاب مانى. ومعنى هذا أن المدرسة التى كونها مانى في التصوير وتبعه عليها اصحابه من أهل مذهبه كانت معروفة لدى ابن سينا. وهذا أيضا مما يزيد في القاء اللوم على ابن سينا، لأنه شدا طرفا من الفنون غير الشعر، فعرف
التصوير وشاهد له نماذج يحتمل أنها كانت ممتازة، ما دامت تنتسب الى مدرسة مانى.
(ج) ذكر «كليلة ودمنة» مرة واحدة، وقارن بين خرافاته والخرافات المستخدمة أساسا في المسرحيات والقصص الشعرى الملحمى. لكنه اقتصر على مجرد الذكر، مع انه لو توسع في هذه الناحية، وخصوصا في باب الخرافات الفارسية، ولابد أن يكون قد عرف الكثير منها في بيئته الفارسية وعن طريق الكتب التى مثل «هزار افسانه» . انما هو اقتصر على القول بأن الخرافات المستخدمة في الشعر يجب أن تتجه الى الخيال وليس الفارق بين أمثال «كليلة ودمنة» والمسرحيات أن الأول نثر، والمسرحيات منظومة، فان الوزن ليس هو الفارق الحقيقى هنا، حتى انه لو نظم «كليلة ودمنة» شعرا لما غير هذا في حقيقته وهى أنه لا يشبه الخرافات الشعرية. وانما الفارق هو في أن أمثال «كليلة ودمنة» انما يتجه الى الآراء بينما الخرافات الشعرية تتجه الى الخيال. والمقارنة صائبة من غير شك لكنه لم يتوسع فيها، ولم يفد منها ما تنطوى عليه من نتائج.
(ثانيا) : انتبه الى المعانى الرئيسية في كتاب الشعر فأجاد تلخيصها:
فعرف التراجيديا تعريفا جيدا، وان أخذه عن نص أرسطو، لكن تلخيصه له يدل على حسن الفهم. وها هو ذا: «أن الطراغوذية هى محاكاة فعل كامل الفضيلة عالى المرتبة، بقول ملائم جدا لا يختص بفضيلة فضيلة جزئية تؤثر في الجزئيات، لا من جهة الملكة، بل من جهة الفعل، محاكاة تنفعل لها الأنفس برحمة وتقوى» . وبين أن هذه المحاكاة انما تكون للأفعال، لا للمعانى المجردة الكلية لأن الأفعال هى وحدها التى تنطوى على تخيل، وتقبل أن يفعل فيها التخييل والمحاكاة. أما «الفضائل والملكات» ، وهى معان مجردة، فانها «بعيدة عن التخيل» . ثم أجاد في بيان أقسامها، وعبر عنها دائما باللفظ اليونانى: طراغوذيا، مما يستبعد نهائيا سوء الفهم الذى قد ينشأ من ترجمتها بكلمة «المدح» كما فعل أبو بشر متى في أول ترجمته. وهذا قد يدل أيضا على تنبه ابن سينا لبعد ترجمة لفظ «طراغوديا» بلفظ: «المدح» . وهذه حسنة تضاف الى مآثر ابن سينا.
كذلك أجاد في فهم المحاكاة ومداها، ولاحظ ملاحظات قيمة تدل على انه أجاد الفهم.
(ثالثا) : ومأثرة أخرى لابن سينا في فهمه لكتاب «فى الشعر» لأرسطو هى أنه تنبه الى الفارق الأكبر بين الشعر العربى والشعر اليونانى،
هذا الفارق هو ان الأخير يبحث في الأفعال والأخلاق، بينما الشعر العربى يدور حول الوصف للموضوعات أو الانفعالات. وقد كرر هذا المعنى مرارا عدة في باب الطراغوديا، وباب المحاكاة، ولم ملل من توكيده، مما يدل على أنه اصاب عين الحقيقة في هذه المسألة التى لا تزال تند عن أذهان بعض النقاد العرب المعاصرين، أو بالاحرى من يتصدون ادعاء للنقد في العالم العربى اليوم.