فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 534

(ثالثا) : ومأثرة أخرى لابن سينا في فهمه لكتاب «فى الشعر» لأرسطو هى أنه تنبه الى الفارق الأكبر بين الشعر العربى والشعر اليونانى،

هذا الفارق هو ان الأخير يبحث في الأفعال والأخلاق، بينما الشعر العربى يدور حول الوصف للموضوعات أو الانفعالات. وقد كرر هذا المعنى مرارا عدة في باب الطراغوديا، وباب المحاكاة، ولم ملل من توكيده، مما يدل على أنه اصاب عين الحقيقة في هذه المسألة التى لا تزال تند عن أذهان بعض النقاد العرب المعاصرين، أو بالاحرى من يتصدون ادعاء للنقد في العالم العربى اليوم.

ولو وجد الناقد العربى الحاذق في القرن الخامس الهجرى وما تلاه، لاقتنص من ابن سينا هذا الفارق، ولراح يستنبط كل مدلولاته، ولأحدث ثورة في النفد عند العرب. لكن متى وجد الناقد في الأدب العربى! ان جميع من تصدوا للنقد في الأدب العربى منذ نشأته حتى العصر الحديث لم يكونوا الا لغويين سطحيين، لم يعرفوا من الشعر الا انه كلام موزون مقفى.

وحتى الوزن والقافية لم يبحثوا فيهما بحثا جديا. فاقتصروا على الزعم بأن الشعر والنثر «كلام» و «الكلام» لغة، فالنقد نقد لغوى خالص.

وكانت نتيجة هذا التصور الكاذب أن تولى النقد غير أهله، وأن استحال الأدب العربى الى الحال التى سار عليها في تطوره، ان جاز لنا أن نتحدث عن تطوره بالمعنى الخصب الحقيقى.

والحق أن ابن سينا في باب مقدمات الطراغوديا، وفى باب المحاكاة، وفى باب الايقاع قد قدم صورة واضحة المعالم، كانت تنتظر النقاد الحذاق لتؤتى ثمارها في فهم معنى الشعر أولا، ثم في ابتكار انواع فريدة جديدة.

والشئ المؤلم حقا هو أن الشعر قد دخل منذ البداية في باب علوم العربية، لأنه كان يدرس لاستخلاص الشواهد النحوية والصرفية واللغوية.

فكان ثمت هوة هائلة بين علماء العربية وبين علماء الثقافة الانسانية. فلم يتوقع لغوى وما كان اشد غرورهم وتبجحهم بالدعوى! أن يتلقى درسا من فيلسوف أو رجل مشتغل بالفلسفة وعلوم الأوائل. وان المناظرة التى زعم أبو حيان التوحيدى وقوعها بين أبى سعيد السيرافى وبين أبى بشر متى بن يونس، بين ذلك اللغوى القح وبين هذا المثقف بعلوم الأوائل نقول:

أن هذه المناظرة هى خير دليل على العقلية السائدة في ذلك العصر، أعنى القرن الرابع الهجرى: هوة لا يمكن عبورها بين علماء العربية وعلماء العلوم اليونانية، وادعاء وقح من جانب الأولين، وانصراف من جانب الآخرين عن الدعوة لمذهبهم وأفكارهم ونزعاتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت