بيد أن ابن سينا لم يلبث أن أهمل هذا الفارق كما لاحظ جبرييلى [1] بحق، كما أن احدا بعده لم يتناوله ولم يبين أوجه الشبه والخلاف بين الشعر العربى والشعر اليونانى، وهو أمر طبيعى، اذ كان ينقصهم المعرفة الدقيقة بأحد طرفى المقارنة، وهو الشعر اليونانى.
وعلى كل حال فقد أصاب ابن سينا في هذه الملاحظة الجزئية وهو يقارن بين الشعر العربى والشعر اليونانى. ولو أنه فصل القول فيها وأشبعه، فلربما كان في ذلك مثار لاستطلاع بعض النقاد العرب، وان كنا نشك كل الشك في وجود حب استطلاع لما لدى غير العرب من ادب، نظرا للغرور القاتل الذى انتفخت أذهانهم به فأعماهم عن كل ما عدا الشعر العربى!.
لكننا لا نريد أن نعفى ابن سينا ها هنا من مسئولية التقصير في السعى لمعرفة حقيقة الطرف الثانى للمقارنة، وهو الشعر اليونانى، حتى يتبين جلية الأمر فيما يورده المعلم الأول من شواهد على ما يسوق من قواعد ومبادئ كلية. ذلك لأن حماسته لمؤلفات أرسطو كانت كافية لدفعه الى تقصى الآساس التى أقام عليها أرسطو نظرياته ها هنا أعنى في فن الشعر، خصوصا وهو يرى أن أرسطو يتخذ شواهده من الأدب اليونانى ويتكئ عليها في كل خطوات تحليله، فيذكر سوفقليس، وخصوصا يذكر له مسرحية «أوديب ملكا» ، ويوريفيدس، وبخاصة مسرحية «ايفيجينيا» ، وقبل هذا كله يمجد سيد الشعراء غير مدافع، وهو هوميروس، فيذكره في ثلاثة عشر موضعا: فهل لم يكن هذا كله كافيا لاثارة رغبة ابن سينا حتى يعرف الأدب اليونانى ليزداد فهما لنص كتاب أرسطو؟.
ثم ان العالمين باليونانية من المشتغلين بالترجمة ومن رجال الدين في الأديرة كانوا لا يزالون يمارسون نشاطهم الفكرى. فكان في وسعه وهو الوزير ذو المال والسلطان أن يلجأ اليهم ويدعوهم بل يحملهم على ترجمة هذه الآثار الى العربية حتى يستوعبها، خصوصا والمسرحيات لا تفقد الكثير من روعتها وتأثيرها بخلاف الشعر الغنائى اذا ترجمت الى لغة أخرى. فمعظم الأدباء الأوربيين في العصر الحديث يعتمدون على ترجمات هذه المسرحيات اليونانية الى لغاتهم الحديثة ومع ذلك يتأثرون بها كل
(1) فى بحث له «بمجلة الدراسات الشرقية» ج 12 (سنة 1929سنة 1930) ص 302:
التأثر، لأن المسرحية، كما قلنا، لا تعتمد في تأثيرها كثيرا على اللغة التى كتبت بها. فتقصير ابن سينا ها هنا لا ينهض لتبريره أى اعتذار.