التأثر، لأن المسرحية، كما قلنا، لا تعتمد في تأثيرها كثيرا على اللغة التى كتبت بها. فتقصير ابن سينا ها هنا لا ينهض لتبريره أى اعتذار.
ولو أخذنا الآن في بيان مصادر ابن سينا في تلخيصه لكتاب أرسطو هنا، لما وجدناها تتجاوز مصدرين:
(1) «فى الشعر» لأرسطو
(2) «مقالة في قوانين صناعة الشعراء» للفارابى.
فالفصل الأول «فى الشعر مطلقا واصناف الصيغ الشعرية وأصناف الأشعار اليونانية» وهو الفصل الأهم في تلخيص ابن سينا لأن فيه تظهر شخصية عمله الخاص مدخل يتألف من ملاحظات عامة ابداها ابن سينا في بيان حد الشعر، وما يعنى المنطقى (يعنى غير اللغوى، وبالجملة الناقد الفنى) من أمره وهو أنه كلام مخيل، و «المخيل هو الكلام الذى تذعن له النفس فتنبسط عن أمور وتنقبض عن أمور من غير روية وفكر واختيار، وبالجملة ينفعل له انفعالا نفسانيا غير فكرى» اى ان المنطقى وبتعبير أدق: عالم الجمال ليهتم بالأثر الشعرى من حيث تأثيره في النفس، أيا كان هذا التأثير: معقولا أو غير معقول. وفى هذا المعنى يفرق بين التخييل، والتصديق: فالأول، وهو الذى يكون صميم الشعر، يقصد به مجرد تحريك النفس ولو كان المحرك غير حقيقى أما الثانى فيقصد به الوصول الى معرفة الشئ الموجود كما هو على حقيقته.
والتخييل يولد اعجابا وتلذذا بنفس القول، أما التصديق فهو «اذعان لقبول ان الشئ على ما قيل فيه» . ويعرج من هذا على المقارنة بين الخطابة والشعر من حيث هذه التفرقة: فيرى أن الخطابة تستعمل التصديق، والشعر يستعمل التخييل والتصديقات المظنونة في الخطابة محصورة متناهية، أما التخييلات والمحاكيات في الشعر فلا تحصر ولا تحد. وكيف والمحصور هو المشهور أو القريب، بينما يمتاز الشعر بالنادر والغريب، بالمخترع والمبتدع. ثم راح يبحث في الحيل التى تؤدى الى هذا الابداع:
فقسمها الى ما هو بحسب المعنى، وما هو بحسب اللفظ. وبين أن الحيل تترتب على نسبة ما بين الأجزاء: اما بمشاكلة، وأما بمخالفة والمشاكلة والمخالفة كلتاهما: اما تامة، واما ناقصة. ثم يبحث في هذه الأقسام على سبيل الايجاز. وهذه التقسيمات وما اورده بشأنها قد استخلصه
ابن سينا من مستهل كلام (1) الفارابى (راجع كتابنا «فن الشعر» ص 150ص 151) ومن كلام أرسطو في كتاب «الخطابة» ومما أدركه بصفة عامة في كتاب أرسطو «فى الشعر» كل هذا مع ملاحظات خاصة أبداها ابن سينا نفسه.