الوارد في كلامه لا يسمح بتصحيحها الى ايفى بمعنى الملحمى ومثل «ديقرامى» [1] الذى لم يفلح مرجوليوت في رده الى كلمة (امور العدالة) كما أن البعض الآخر، مثل «افيقى وريطورى» ، ومثل «فيوماتا» لا نرى ما يدعو الى ابرازه نوعا من الشعر خاصا، مع ان كلمة «فيوماتا» (قصائد صغار) تدل على الأشعار القصيرة عامة.
وعلى كل حال فابن سينا قد نقل هذه التقسيمات عن الفارابى نقلا دون أن يزيد في توضيح معناها ولا أن يحاول استكناه مدلولها. فهو هنا كما في كثير من أجزاء فلسفته عالة على الفارابى، ولا يمكن أن يفهم دون البدء بفهم الفارابى. وهذا أمر يجب توكيده والالحاح فيه: وهو أن ابن سينا لن يفهم جيدا الا بالرجوع الى كتب الفارابى. ولقد كان الفارابى أعلم الفلاسفة المسلمين بالتراث اليونانى، لأنه كان على اتصال مباشر بالنقلة والعارفين بهذا التراث في اللغة اليونانية الأصلية.
وابتداء من الفصل الثانى يبدأ ابن سينا في تلخيص نص أرسطوطاليس الفصل اثر الفصل على تقسيم له خاص فيه تكرار أحيانا لما قاله من قبل وتداخل بين الفصول. فهو في الفصل الثانى يعود الى ذكر بعض الأقسام التى أوردها في الفصل الأول (ديثورمبى، ديقرامى، طراغوذيا، قوموذيا) ويتناول المحاكاة، فيبدى هنا الملاحظة القيمة (الوحيدة) عن خصائص الشعر اليونانى في مقارنته بالشعر العربى حيث يقول: «والشعر اليونانى انما كان يقصد فيه في اكثر الأمر محاكاة الأفعال والأحوال لا غير وأما الذوات فلم يكونوا يشتغلون بمحاكاتها أصلا كاشتغال العرب: فان العرب كانت تقول الشعر لوجهين: أحدهما ليؤثر في النفس أمرا من الأمور تعد به نحو فعل أو انفعال، والثانى للعجب فقط، فكانت تشبه كل شئ لتعجب بحسن التشبيه. وأما اليونانيون فكانوا يقصدون أن يحثوا بالقول على فعل أو يردعوا بالقول عن فعل» . وقد نبه فرنشسكو جبرييلى [2] فى مقاله المذكور آنفا الى أهمية هذه الفقرة وما تضعه من تفرقة، فقال: «فى
(1) يمكن أن يكون صوابها: «نواميسى» نسبة الى «نواميس» جمع ناموس لأن ترجمة متى العربية ورد فيها هنا: «كصناعة الشعر الديثورمبى والتى للناموس» (راجع نشرتنا لهذه الترجمة فى: «ارسطوطاليس: فن الشعر» ص 88س 1) .
(2) فى «مجلة الدراسات الشرقية» (بالايطالية) ج 12 (سنة 1929 سنة 1930) ص 302.