وكما يكون المجاز عفويا، قد يكون مقصودا، وذلك في استعمال الموهوبين من الشعراء الممتازين، والنابهين من الأدباء والمترسلين، ويكون عادة وليد بيئته الطبيعية والثقافية، وعصره، وخاضعا في الوقت نفسه للذوق العام، والتقاليد الفنية وبمرور الوقت يتناسى الناس هذه المجازات، وتصبح من المعانى الحقيقية للكلمة، وتعد من المشترك.
لم يهتم اللغويون القدماء كثيرا، ببيان اللهجات المحلّية، في البيئات العربية المختلفة لاعتبارهم الجزيرة العربية كلها بيئة لغوية واحدة، ولولا إشارات قليلة في المعاجم العربية، وكتب اللغة، وبخاصة كتب الأضداد، وشروح شعر القبائل، لولا هذه الإشارات القليلة لما أمكن معرفة شىء عن تلك اللهجات، ولما أمكن تفسير اختلاف دلالة اللفظ الواحد على المعانى الكثيرة، بل المتضادة أحيانا.
يقول ابن السراج: «محال أن يصطلح أهل اللغة على ما يلبس، دون ما يوضح، وهذا ادّعاء من ادّعى أنّه ليس في لغة العرب لفظتان متفقتان في الحروف إلا لمعنى واحد، لكنه أغفل أنّ الحى أو القبيلة، ربما انفرد القوم منهم بلغة، ليس سائر العرب عليها فيوافق اللفظ في لغة قوم وهم يريدون معنى لفظا آخر من لغة آخرين، وهم يريدون معنى آخر ثم ربما اختلطت اللغات، فاستعمل هؤلاء لغة هؤلاء، وهؤلاء لغة هؤلاء، فأصل اللغة قد وضعت على بيان وإخلاص، لكل معنى لفظ ينفرد به» [1] .
قال حيّان بن أبجر [2] : كنت عند ابن عباس رضى الله عنه فجاءه رجل من هذيل، فقال له: ما فعل فلان لرجل منهم فقال:
مات وترك كذا وكذا من الولد، وثلاثة من الوراء، يريد: من ولد الولد»،
(1) فصول في فقه العربية 330، نقلا عن الاشتقاق، لابن السراج 33.
(2) صحابى، يعدّ في الكوفيين، شهد صفّين مع الإمام على رضى الله عنه.
انظر: التاريخ الكبير 1/ 2/ 58، والاستيعاب 1/ 317، وأسد الغابة 2/ 67، والوافى بالوفيات 13/ 224، والإصابة 1/ 363.