فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 786

قولكم: وإنّما وضع الألفاظ للدلالة على المعانى مسلّم أيضا. وقولكم: ويتبادر الذهن عند سماعها إلى المقصود، قلنا: لا نسلم، بل جاز أن يضع المشترك ليقف السامع، ويبحث عن المقصود، فيحصل له ميزة التّثبّت والنظر، وليجعل

المتكلم مراده لغرض من أغراض العقلاء، فقد لاح بهذا أنّ وضعه ليس مخلّا بالحكمة بل الحكمة تقتضى وضعه، فبطلت الملازمة.

ثم يقول: هذا كلّه بناء على أنّ الواضع «الله» تعالى، وإن قلنا بمذهب البهشميّة [1] أنّ اللغات اصطلاحيّة، فجاز أن يكون سبب الاشتراك واضعين مختلفين، فلا وجه لهذه الحجة عوّلوا عليها أصلا.

واحتجّ القائلون بوجوبه عقلا بوجهين:

أحدهما: أنّ المعانى غير متناهية، وهذا واضح، فإنّ منها الأعداد وهى لا تصل إلى نهاية، والألفاظ متناهية لأنّها مركّبة من الحروف المتناهية، والمركّب من المتناهى متناه، وحينئذ فإذا وزّعنا الألفاظ على المعانى فلا بدّ وأن يستوعبها، وإلّا يلزم خلو بعض المعانى المقصودة عن الألفاظ، ومتى كانت مستوعبة لها يلزم «الاشتراك» لأنّه لا بدّ حينئذ من لفظ واحد يدلّ على معان كثيرة [2] / وهو عين الاشتراك.

الثانى: أنّ الوجود يطلق على وجود الواجب [3] سبحانه وتعالى ووجود الممكن بطريق الحقيقة فيهما، ووجود كل شىء عين ماهيّته كما (تقرّر في علم الكلام) [4] ، وهو مذهب شيخ الجماعة، مقدّم الطائفة أبى الحسن الأشعرى [5] ، والحذّاق من أصحابه، آخرهم الشيخ، الإمام، الوالد رحمه الله تعالى كان

(1) البهشميّة: يطلق هذا المصطلح على مذهبين مختلفين:

الأول: مذهب من مذاهب المعتزلة، ينسب إلى أبى هاشم عبد السلام بن محمد ابن عبد الوهاب، الجبّائى، وفيه حاول التوفيق بين مذهب أبيه أبى على الذى كان يفرط في إنكار الصفات، وبين آراء أهل السنة.

والثانى: مذهب من مذاهب الشيعة، وهم أتباع أبى هاشم محمد، ابن الحنفيّة، راجع: فرق وطبقات المعتزلة 220، ومعجم الفرق والمذاهب الإسلامية 7673.

(2) نص الإبهاج: «لزم الاشتراك لأنّه لا بد حينئذ من لفظ واحد بإزاء معان كثيرة» .

(3) فى الأصل: «على وجود واجب الوجود» ، والمثبت رواية الإبهاج.

(4) ما بين القوسين زيادة من الإبهاج.

(5) أبو الحسن، على بن إسماعيل بن إسحاق، الإمام الأشعرى (324260هـ) من أئمة المتكلمين، المجتهدين، ومؤسس مذهب الأشاعرة.

انظر: سير أعلام النبلاء 15/ 85، والعبر 2/ 23، والأعلام 4/ 263، ومعجم المؤلفين 7/ 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت