فى هذا الكتاب أورده حبّه العين مناهل العلم، ومنابع المعرفة، يجمع طرائف
الأحاديث في التاريخ، والأدب، ويبحث الأحكام التى تتعلق بها في العلوم العقلية والنقلية، وينسق من أزاهير الطرف، وثمرات الأحكام موسوعة بارعة، يقدّمها للقارئ غذاء للنفس والعقل، ومتعة للروح والقلب.
بدأ بالقرآن الكريم، والحديث الشريف، وعلومهما، من: تفسير، وفقه، وأصول، فبيّن ما «للعين» فيها من معان وما لها من أحكام في شريعة الله.
ومال إلى كتب اللغة يفتّش فيها معانى كلمة «العين» ويبحث ظاهرة المشترك اللفظى فشرح أسبابها، وخصائصها، وأحكام المشترك في الإفراد، والتثنية، والجمع، وأوضح الفرق بينه وبين المترادف، والمتواطئ.
وعرّج على كتب الأدب، يتتبّع استعمال الشعراء والأدباء «المشترك اللفظى» في أرفع إنتاجهم الأدبى، وفى أروع أساليبهم البليغة، وذلك فيما عرف باسم:
التورية، والاستخدام، وفى الجناس، والسجع، والتوشيع، وغيرها.
وأغراه حبه العين بدراسة الطب، ليتعرّف حقيقتها، والأجزاء التى تتركب منها، وهيئتها التى تكون عليها، وعوارضها في الأحوال التى تنتابها، والأدواء التى تصيبها، والدواء الذى يشفيها.
وأخيرا، انتهى به حبه العين إلى دواوين الشعراء، ومجاميع الأدباء، ينتقى منها أجمل ما حوت من أبيات، تطرب الأسماع بعذوبة ألفاظها، وتسرّ النفوس بجمال أساليبها، وروعة معانيها، وموضوعها «العين» في أحوالها، وتشبيهاتها، وأثرها، ويرتّب هذه الاختيارات ترتيبا هجائيا لتكون هى الغرض من تأليف الكتاب، والغاية منه.
عرفت هذا الكتاب، وقرأته قراءة متعجّلة، في الوقت الذى كنت مشغولا فيه بتحقيق كتاب «لذة السمع في صفة الدمع» ودراسته، وتبين لى أنّ الكتابين موضوعهما واحد، وهو العين ودموعها ويكمل أحدهما الآخر، ورأيت من حقّه علىّ أن أتمّ ما بدأته، وأن أحقّق الكتاب الثانى، وأدرسه، كالكتاب الأول، فبحثت عن مخطوطاته في مظانّها، فلم أجد له إلا مخطوطتين:
الأولى في برلين.
والثانية في إستانبول.
وحصلت على مصورتى المخطوطتين، وبدأت نسخهما، وقراءتهما قراءة متأنّية، وسرعان ما بدأت الصعاب تتكشف لى.