وأنا في خلال ذلك ألتمس مزيدا، ولا أسأم بحثا وتقييدا، إلى أن عثرت على شرح الفنجديهيّ للمقامات والفنجديهيّ هو الشيخ الحافظ أبو سعد محمد بن عبد الرحمن بن محمد المسعوديّ، من قرية فنجديهة من عمل خراسان فرأيت في شرحه الغاية المطلوبة، والبغية المرغوبة، والضالة التي كانت عنيّ إلى هذا الأوان مطوية محجوبة فاسستأنفت النّظر ثانيا، وشمرت عن ساعد الجدّ لا متكاسلا ولا وانيا، وعانيت نور المعنى في نور اللفظ فأصبحت مجتليا جانيا، فاستوعبته أيضا أبلغ استيعاب، وقيدت من فوائد ما لم أجد قبله في كتاب، وأخذت منه أحاديث مسندة أوردها، وآثارا مرفوعة قيّدها تليق بالباب الذي أوردت فيه، وتورد مصححّة إما لألفاظه وإما لمعانيه، وحذفت أسانيد وإن كان قد أوردها تخفيفا عمن يريد المتن ويبتغيه فتم لي بهذا الغرض استيفاء مقاصده، واستيعاب فوائده. وتركته مستلب المعاني، مطروق المغاني، كالروض ركدت
ريحه، والجسم قبض روحه فانضاف من فوائد هذا التأليف البديع إلى الفوائد الملتقطة من الألسنة والمأخوذة من التصانيف المستحسنة روض كله زهر، وسلك كله درر، وأدب إن لم يجمعه التصنيف فهو بعد عين أثر.
فاستخرت الله تعالى في ضمّ ما انتشر من فوائدها، ونظم ما انتثر من فرائدها، والاعتناء بتأليف في المقامات يغني عن كل شرح تقدم فيها، ولا يحوج إلى سواه في لفظ من ألفاظها ولا معنى من معانيها، فتم من ذلك مجموع جامع وموضوع بارع أودعته من اللغات أصحّها وأوضحها، وأسلسها قياد لفظ وأسمحها وأولاها بالصواب في مظانّ الاختلاف وأرجحها ونسبت المشكل منها إلى قائله من جهابذة العلماء، وجمعت بين مشهور اللغات ومشهور الأسماء، وسبكت العبارة عن المعاني سبكا يدل على الإلغاء والإصغاء. وهذا الفصل وإن سبقني إليه من تقدمني من الشارحين قبلي، فلي فيه مزية إيراد اللفظ البعيد عن الإشكال، والمطابقة بين الأقوال وأرباب الأقوال.
ثم زدت في فوائد هذا التأليف التعريف بالأمصار المذكورة في المقامات على أوفى ما يمكنني من ذكر مواضعها وأقدارها واختطاطها، ومن عقد صلحها، أو تولى فتحها وهذه فوائد لا يخفى مكانها، ولا ينكر استحسانها بالحاجة إلى التعريف بالمكان، تتلو الحاجة إلى غوامض اللسان.
ثم استوعبت شرح الأمثال ونسبتها، جمعا بين القائلين والأقوال، ولم أغفل منها الكثير الدّور ولا القليل الاستعمال، وهذا الفن لم يتبعه أحد على الكمال، وإن ذكره فإنما يذكره استطرادا بحسب الحال.
ثم استوفيت أيضا ذكر من وقع فيه من الرجال والنساء أتم استيفاء، وعرّفت المشتهرين من الآدباء والأبناء، وبنيت أنسابهم وأمكنتهم، وأخبارهم وحرفتهم، وآثارهم ومدتهم، وزيادة في التهمّم والأعتناء، وهذا الفن أيضا لم يورده الشارحون حقّ إيراده ولا اعتمدوه بالتبليغ حقّ اعتماده، وهو مهمّ في الإفادة، على مغفلة في الوقت وبعده الإعادة.
ثم زدت فيه فصلين مفيدين لم أر من اعتنى بهما،. ولا من قصد قصدهما. سوى أبي سعيد الفنجديهيّ في بعض المواضع، فإنه ألمح وألمع، وأورد اليسير فما شفى ولا أقنع:
أحدهما تبيين مأخذ الحريري في الكلام، وإخراج الاحالات المودعة فيه من حيز الإبهام والرد إلى المنشأ في آية أو أثر أو تخطبة أو خبر، أو حكمة فائقة، أو لفظة رائقة، أو بيت نادر، أو مثل سائر وهذا تتميم بيّن، وتكميل متعيّن.
والفصل الثاني: التنبيه على صناعة البديع، وتوفية أسمائه كالتجنيس والتتميم والترصيع، والإتيان بهذا النوع من التبيين والتنبيه على الجميع، وبسط أنواع الأدب
وافتنانه، والإكثار من الشعر في مظانه من الجد والهزل في المواضع اللائقة باستحسانه، ومقابلة كل باب بما يزيد في حسنه وبيانه، والجري مع أبي محمد حسب اتساع خطوه وامتداد ميدانه.