شجّوا: جرحوا. يودّون: يتمنّون. سالمته: تركته وصالحته، وأصله الصلح. المنون:
المنيّة. غالت: أهلكت. نفائسهم: كرائم أموالهم.
ونذكر هنا من الشعر ما يوافق هذا الموضع:
دخل أبو دهمان القيسيّ يوما على بعض الأمراء يعوده، فأنشده: [الطويل]
بأنفسنا لا بالطّوارف والتّلد ... نقيك الّذي تخفي من السّقم أو تبدي
بنا معشر العوّاد ما بك من أذى ... فإن أشفقوا ممّا أقول فبي وحدي
ودخل محمد بن عبد الله بن طاهر على المتوكل يعوده، فقال: [البسيط]
الله يدفع عن نفس الإمام لنا ... وكلّنا للمنايا دونه غرض
فليت أن الذي يعروه من مرض ... بالعائدين جميعا لا به المرض
ففي الإمام لنا من غيره عوض ... وليس في غيره منه لنا عوض
وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر: [الكامل]
أعزز عليّ بأن أراك عليلا ... أو أن يكون لك السّقام نزيلا
لوددت أني مالك لسلامتي ... فأعيرها لك بكرة وأصيلا
فتكون تبقى سالما لسلامتي ... وأكون ممّا قد عراك بديلا
هذا أخ لك يشتكي ما تشتكي ... وكذا الخليل إذا أحبّ خليلا
هذا الشعر على فتوره شرف بمنصب قائله.
وكان المعتصم أميّا لأن أباه هارون الرشيد ندبه في صغره للتعلّم فسمعه يوما يقول وقد مرّت به جنازة: ليتني مكانك ولا أرى هذا البلاء، فقال له: لا أندبك إلى شيء تتمنّى الموت من أجله فلهذا لم يكن له علم بالأدب كأخويه الأمين والمأمون.
ولأبي العباس المبرّد: [الخفيف]
يا عليل أفديك من ألم الع ... لّة هل لي إلى اللقاء سبيل
إنّ يحل دونك الحجاب فما يح ... جب عنّي وبك الضّنى والنّحول
ولأبي تمام في مالك بن طوق: [المنسرح]
ألبسك الله منه عافية ... في نومك المعترى وفي أرقك
يخرج من جسمك السّقام كما ... أخرج ذمّ الفعال من خلقك
ولابن عبد ربه: [البسيط]
يا من عليه حجاب من جلالته ... وإن بدا لك يوما غير محجوب
ما أنت وحدك مكسوّا ثياب ضنى ... بل كلّنا لك من مضنى ومشحوب
ألقى عليك يدا للضّرّ كاشفة ... كشاف ضرّ نبيّ الله أيوب
* * * قال الراوي: وكنت فيمن التفّ بأصحابه، وأغذّ إلى بابه، فلمّا انتهينا إلى فنائه، وتصدّينا لاستنشاء أنبائه، برز إلينا فتاه، مفترّة شفتاه، فاستطلعنا طلع الشّيخ في شكاته، وكنه قوى حركاته، فقال: قد كان في قبضة المرضة، وعركة الوعكة، إلى أن شفّه الدّنف واستشفّه التّلف، ثمّ منّ الله تعالى بتقوية ذمائه، فأفاق من إغمائه. فارجعوا أدراجكم، وانضوا انزعاجكم، فكأن قد غدا وراح، وساقاكم الرّاح. فأعظمنا بشراه، واقترحنا أن نراه، فدخل مؤذنا بنا، ثمّ خرج آذنا لنا، فلقينا منه لقى، ولسانا طلقا، وجلسنا محدقين بسريره، محدّقين إلى أساريره.