وخالي لا أبالك ذو المعالي ... جذيمة كيف ويحك تنكرينا!
فقالا له: من أنت يا فتى؟ أنا عمرو بن عديّ، فضمّاه إليهما، وغسلا رأسه، وأخذا من شعره. وقلّما أظفاره، وألبساه بعض الثياب التي كانت معهما، وقالا: ما كنا نهدي جذيمة أنفس من ابن أخته، ثم وردا به على جذيمة فسرّ به سرورا شديدا وقال: لهما تمنّيا، فسألاه أن يكونا نديميه ما عاش وعاشا، فنادماه أربعين سنة، ما أعادا عليه حديثا، فضرب بهما المثل في تأكيد الألفة، ونال مالك بن نويرة في مالك: [الطويل]
وكنّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدّهر حتى قيل لن يتصدّعا [1]
فلمّا تفرقنا كأنيّ ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وتمثلت بهما عائشة رضي الله عنها عند قبر أخيها عبد الرحمن.
وقال أبو خراش الهذلي يرثي أخاه: [الطويل]
تقول أراه بعد عروة لاهيا ... وذلك رزء لو علمت جليل [2]
فلا تحسبي أن قد تناسيت عهده ... ولكنّ صبري يا أميم جميل
ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا ... خليلا صفاء: مالك وعقيل
وغزا جذيمة عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة السميذع العمليقي من العماليق، ومنهم قوم من حمير. وكان ملك الجزيرة وملك الحضر، وهي مدينة قديمة بين دجلة والفرات، فهزم جذيمة جيوش عمرو وقتله وفرّق جموعه، وقال في ذلك شاعرهم:
[البسيط]
كأنّ عمرو بن برقا لم يكن ملكا ... ولم تكن حوله الرّايات تختفق
لاقي جذيمة في شعواء مشعلة ... فيها حراشف بالنيران ترتشق
فملكت بعده الزّباء ابنته واسمها نائلة.
قال ابن الكلبيّ: ولم يكن في عصر الزباء أجمل منها جمالا، وأكمل منها كمالا،
(1) البيت الأول لمتمم بن نويرة في ديوانه ص 111، وتاج العروس (حبر) ، (صدع) ، والبيت الثاني لمتمم بن نويرة في ديوانه ص 122، وتاج العروس (فرق) ، وأدب الكاتب ص 519، والأزهية ص 289، والأغاني 15/ 238، وجمهرة اللغة ص 1316، وخزانة الأدب 8/ 272، والدرر 4/ 166، وشرح اختيارات المفضّل ص 1177، وشرح شواهد المغني 2/ 565، والشعر والشعراء 1/ 345، وبلا نسبة في الجنى الداني ص 102، ورصف المباني ص 223، وشرح الأشموني 2/ 219، وشرح التصريح 2/ 48، ولسان العرب (لوم) ، ومغني اللبيب 1/ 212، وهمع الهوامع 2/ 32، وتاج العروس (لوم) .
(2) الأبيات لأبي خراش الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص 1192.