فهرس الكتاب

الصفحة 1373 من 1453

تكنّفني الواشون من كلّ جانب ... ولو كان واش واحد لكفاني

فغنّته، فقال: أظنّهما تهاميّين، فقال للأخرى: يا سيدتي أين المستراح؟ فقالت لصاحبتها: ما يقول لك؟ قالت: يسألك أن تغنّيه: [الكامل]

ترك الفكاهة والمزاحا ... وقلّى الصّبابة فاستراحا

فغنّته، والمولى يسمع، فلما كربه الأمر أنشأ يقول: [الوافر]

تكنّفني الملاح وأضجروني ... على ما بي بتكرير الأغاني

فلمّا ضاق عن ذاك اصطباري ... ذرفت به على وجه الزواني

ثم حلّ سراويله، وسلح عليهما، فتركهما آية للناظرين. وانتبه مولاهما، فلمّا رأى ما نزل بهما، قال له: يا أخي ما حملك على هذا؟ قال له: يا بن الزانية، لك جوار يرين المخرج صراطا مستقيما فلا يدللنني عليه، فلم يكن لهنّ جزاء عندي غير هذا، ثم رحل عنه.

فيقول أبو محمد: لا بأس للإنسان أن يأتي المواضع الخسيسة عند الضرورة، وأصل الكنيف الساتر.

* * * فلمّا شهدت موسمه، وشاهدت ميسمه، رأيت شيخا هيئته نظيفة، وحركته خفيفة. وعليه من النّظارة أطواق، ومن الزّحام طباق، وبين يديه فتى كالصّمصامة، مستهدف للحجامة، والشيخ يقول له: أراك قد أبرزت رأسك، قبل أن تبرز قرطاسك، وولّيتني قذالك، ولم تقل: لي ذالك، ولست ممّن يبيع نقدا بدين، ولا يطلب أثرا بعد عين، فإن أنت رضخت بالعين، حجمت في الأخدعين. وإن كنت ترى الشّحّ أولى، وخزن الفلس في النّفس أحلى، فاقرأ {عَبَسَ وَتَوَلََّى} [عبس:

1]، واغرب عنّي وإلّا فقال الفتى: والّذي حرّم صوغ المين كما حرّم صيد الحرمين إني لأفلس من ابن يومين، فثق بسيل تلعتي، وأنظرني إلى سعتي.

* * * موسمه: مجتمعه وسوقه. ميسمه: علامته. النظارة: الناس الناظرون أطواق: أي حلقة خلف حلقة، قد استداروا حوله. والطّباق: الذي طوبق، فجعل بعضه على بعض، شبّه به ركوب بعض النّاس بعضا.

والصّمصامة: سيف عمرو بن معد يكرب، وكانت تقطع الحديد كما يقطع الحديد الخشب. وبعث ملك الهند إلى الرّشيد بسيوف قلعيّة، وكلاب سلوقيّة، وثياب هندية،

فأمر الأتراك فصفّوا بين يديه صفّين، قد لبسوا الحديد، ودخل الرشيد فقال لهم: ما جئتم به؟ قالوا: هذه أشرف كسوة بلادنا، فأمر فقطّعت جلالا وبراقع لخيله، فكبّوا على وجوههم، وتذمّموا، ثم قال: ما عندكم؟ قالوا: هذه سيوف قلعية، لا نظير لها فدعا بالصّمصامة، فقطعت بها السيوف سيفا سيفا، كما يقطع الفجل من غير أن تنثني لها شفرة. ثم عرض عليهم حدّ السّيف فإذا هو لا فلّ فيه، ثم قال: ما عندكم؟ قالوا: كلاب سلوقيّة، لا يبقى لها كلب ولا سبع إلّا عقرته، فأمر بالأسد فأخرج إليهم، فلما نظروا إليه هالهم، وقالوا: ليس عندنا مثل سبعكم، ثم أرسلوا عليه الأكلب وكانت ثلاثة فمزّقته، فقال: تمنّوا في هذه الأكلب ما شئتم، قالوا: السّيف الذي قطع سيوفنا، قال: لا يجوز في ديننا أن نهاديكم بالسلاح فانقلبوا خائبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت