أقسم بالسّماء ذات الأبراج، والأرض ذات الفجاج، والماء الثّجّاج، والسّراج الوهّاج، والبحر الفجّاج، والهواء والعجاج، إنّها لمن أيمن العوذ، وأغنى عنكم من لابسي الخوذ، من درسها عند ابتسام الفلق، لم يشفق من خطب إلى الشّفق، ومن ناجى بها طليعة الغسق، أمن ليلته من السّرق.
قال: فتلقّنّاها حتّى أتقنّاها، وتدارسناها، لكيلا لا ننساها.
* * * أطرق، أي نظر إلى الأرض ساكنا، وقد فسّر قوله: «أطرق» بقوله: «لا يدير لحظا، ولا يحير لفظا» ، فيدير لحظا يجيل نظره في الجهات الأربع، ويحير لفظا: يردّ كلاما، والغشية: أن يغشى على عقله. أقنع: رفع. صعد: جعلها تصعد، أي ترتفع.
الأبراج، أي منازل القمر. الفجاج، أي المسالك، واحدها: فجّ، والفجّ الطريق الواسع في الجبل، وقيل: هو المّتسع بين مرتفعين، وقيل: هو الفتح بين الشّيئين: الثّجاج:
السّيّال الكثير الصبّ. السراج: الشمس. الوهّاج: الوفّاد المتلألىء، وهو من وهج النار، وهو اتقادها وحرّها، العجّاج: المصوّت لاضطراب أمواجه. الهواء: ما بين السماء والأرض. والعجاج: الغبار. والعوذ: الرّقى. أغنى: أجزأ وأكفى، والغنى الكفاية، وأغنى فلان مغني فلان، أي كفاه الحضور وقام مقامه. والحوذ، بالحاء المهملة الدّرع، وينقط الحاء بيض السّلاح. ابتسام الفلق: ظهور الفجر. يشفق: يخاف. خطب: أمر شديد. الشّفق: الحمرة بعد غروب الشمس. ناجي: تكلّم بها سرّا، طليعة الغسق، أول طلوع الظلام. تلقنّاها، أي فهمناها. أتقناها: أحكمناها. تدارسناها، الدّرس في كلامهم الرّياضة والتذليل، وطريق مدروس: كثر مشى الناس فيه، فذّللوه وأثروا فيه، فمعنى درس القرآن أو الدعاء، ذلّل لسانه وراضه.
ونصل هذا الدعاء الذي ذكر أنه مستجاب وصدق إذا صحب الدعاء به الإخلاص، والتضرّع بأدعية ينتفع بها إن شاء الله تعالى.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا قال: «اللهمّ أنت الصاحب في السّفر، والخليفة في الحضر. اللهمّ إنّى أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، ومن الحور بعد الكور، ومن سوء المنظر في الأهل والمال والولد» [1] .
(1) روي بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه مسلم في الحج حديث 425، 426، وأبو داود في الجهاد باب 72، والترمذي في الدعوات باب 41، والنسائي في الاستعاذة باب 41، 43، وابن ماجه في الدعاء باب 20، والدارمي في الاستئذان باب 42، ومالك في الاستئذان حديث 34، وأحمد في المسند 1/ 256، 300، 2/ 150، 401، 433، 5/ 82، 83.