فهرس الكتاب

الصفحة 1157 من 1453

مرحبا بأبي سعيد! خلع قميصك، فجعل الحسن يعالج زرّ القميص فأبطأ به، فطأطأ له الحجاج رأسه تلّطفا به حتى حلّه، وجاءت جارية بدهن فوضعته على رأس الحسن وحده، فقال له الحجاج: يا أبا سعيد، ما لي أراك منهوك الجسم، لعلّ ذلك من قلة نفقة وسوء ولاية! ألا نأمر لك بنفقة توسّع بها على نفسك، وخادم لطيف! فقال: إني من الله تعالى لفي سعة ونعمة وإني منه لفي عافية، ولكن الكبر والحرّ، فأقبل الحجاج على عنبسة، وقال: لا والله، بل العلم بالله والزهد فيما نحن فيه، فلم يسمعها الحسن، وسمعتها أنا لقربي من عنبسة، وجعل الحجاج يسأله حتى ذكر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فنال منه ونلنا منه مرضاة له، وفرقا من شرّه، والحسن عاضّ على إبهامه، فقال له: ما لي أراك ساكتا؟ فقال: وما عسى أن أقول: فقال: أخبرنا برأيك في أبي تراب، قال: إني سمعت الله عز وجل يقول: {وَمََا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهََا إِلََّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى ََ عَقِبَيْهِ وَإِنْ كََانَتْ لَكَبِيرَةً إِلََّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللََّهُ وَمََا كََانَ اللََّهُ لِيُضِيعَ إِيمََانَكُمْ إِنَّ اللََّهَ بِالنََّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143] فعليّ ممّن هدى الله، ومن أهل الإيمان وابن عمّ نبي الله صلى الله عليه وسلم وختنه على بنته، أحبّ الناس إليه، وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله عز وجل، لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس يحظرها عليه، ولا يحول بينه وبينها. فتغيّر وجه الحجاج وقام مغضبا عن سريره، ودخل بيتا خلفه وخرجنا وأخذت بيد الحسن، فقلت: يا أبا سعيد، أغضبت الأمير، وأوغرت صدره، فقال: إليك عني يا عامر، ألست شيطانا من الشياطين إذ توافقه في رأيه! ألا صدقت إذ سئلت أو سكتّ فسلمت! فقلت: قلتها والله، وأنا أعلم بما فيها، قال الحسن: فذلك أعظم في الحجّة عليك، وأشدّ في التّبعة. ثم خرجت إلى الحسن التّحف والطّرفّ، وكانت له المنزلة والستخفّ بنا وجفانا، فكان أهلا لما أتى إليه، وكنّا أهلا لما أتى إلينا، فما رأيت مثل الحسن بين العلماء إلا مثل الفرس العربيّ فيما بين المقارف، وما شهدنا بط مشهدا إلّا برز علينا بفضله، وقال لله، وقلنا موافقة للولاة، وكان يقول: جدّدوا هذه الأنفس فإنها

سريعة الدثور، واقدعوها فإنها طامحة وإنكم إن لم تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية.

وقال لمطرّف بن عبد الله بن الشّخير: عظ أصحابك، فقال له: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال له: يرحمك الله، وأيّنا يقول ما يفعل! يودّ الشيطان أنه ظفر بهذه منكم، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر.

ونظر إلى الناس في مصلّى البصرة يضحكون ويلعبون في يوم عيد، فقال: إن الله تعالى جعل الصوم مضمارا لعبيده، ليستبقوا إلى طاعته، ولعمري لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته عن تجديد ثوب أو ترجيل شعر.

ومات في سنة عشرة ومائة وله تسعون وتقدم موت ابن سيرين بمائة يوم، ومات في رجب ليلة الجمعة.

وقال عبد الواحد بن زيد: رأيت ليلة مات الحسن في النّوم أبواب السماء كأنها مفتّحة، وكأنّ الملائكة صفوف، فقلت: أن هذا لأمر عظيم، فقال لي قائل: ألا إنّ الحسن البصريّ قدم على الله وهو عنه راض!.

وسمع بعض أصحابه في منامه ليلة مات كأنّ مناديا ينادي في السماء: {إِنَّ اللََّهَ اصْطَفى ََ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرََاهِيمَ وَآلَ عِمْرََانَ عَلَى الْعََالَمِينَ} [آل عمران: 33] ، واصطفى الحسن البصري على أهل زمانه

والشعبيّ، اسمه عامر بن عبد الله بن شراحيل بن عبيد بن ذي كبار الشعبيّ من شعب همدان، وكنيته أبو عمرو، منسوب إلى شعبان بن عمرو، وهو من حمير، فمن كان منهم باليمن فهو حميريّ، ويقال: له شعبانيّ، ومن كان بالعراق فهو همداني، ويقال له شعبيّ. وولد لستّ سنين من خلافة عمر رضي الله عنه سمع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن والحسين وجماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وهو كوفيّ، وبه يضرب المثل في الحفظ، فيقال: أحفظ من الشعبيّ.

وقال الزّهريّ: العلماء أربعة: سعيد بن المسيّب بالمدينة، وعامر الشعبيّ بالكوفة، والحسن البصريّ بالبصرة، ومكحول بالشأم.

وقال ابن شبرمة: سمعت الشعبيّ يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدّثني رجل قطّ بحديث إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده عليّ.

وقال الشعبيّ لأصحابه: ما أروى شيئا أقلّ من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهرا لا أعيد.

وكان الشعبيّ فقيها عالما حافظا أديبا، وقال: لولا ما زوجت في الرحم ما قامت لأحد معي قائمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت