ونريد أن نذكر هنا فصلا مما يوافقه أو يقاربه على ما شرطناه فمن ذلك أن بعض الأدباء اتّهم صاحبا له بسعاية في جانبه فكتب إليه في المجلس: ساءك نم، فنظره الذي وشى به، فكتب إليه: صحّفه واقلب، فهو والله ما نطق به على لسانك، من بغيك وعدوانك، وهو مقلوب مصحف: منك أتيت، فتضاحكا وتصافيا.
وكتب بعضهم إلى خازن السلطان: [السريع]
قد أقبل الشهر وإقباله ... يأتي بما أجرى ترتيبه
فوجه البرّ ومقلوبه ... يجزيك عن برّك مقلوبه
وكتب بعض الظرفاء إلى صاحب له وهو مقلوب مصحّف: ظبي سراب خشن. فإذا قرأته على الولاء من آخره بعد القلب والتصحيف جاء منه: حسن شراب طيّب.
ومن أنواع المعميّات التّصحيف، ومثاله: أنّ إبراهيم بن المهدي كتب إلى إسحاق الموصليّ: لا يرتج مثل الأسنّة، فكتب إليه إسحاق. لا يرث جميل إلا بثينة.
وقال أبو الجهم بن الأنباريّ للحسن بن وهب: ما تصحيف: كلني بيمينك فبعني بحبّتين، فقال: كل شيء منك في عيني حسن.
وغاب صديق عن صديق له، فلمّا لقيه قال له: عنّ تعبي، فجاوبه: زرعنا يزداد حبا، فالأول قال: غبت عنّي، والثاني قال: زرغبّا تزداد حبّا.
وذكر في بعض مجالس الأدب التصحيف، فقال فتى شابّ: أنا ابن بجدته، فقال بعضهم: ما تصحيف: نصحت فحشي، فقال: تصحيف حسن، فاستغرب إسراعه، فاتهمه شاعر من بلنسية، فقال: ما تصحيف بلنسية؟ فأطرق ساعة، ثم قال: أربعة أشهر، فقال له البلنسيّ: صدق ظّني إنك تنتحل ما تقول ويحك! والفتى يضحك، فقال له:
اشعر، فإنك شاعر، فقال: وأي نسبة بين أربعة أشهر وبلنسية؟ فقام وهو يقول: هو ذاك ثم تنبّه بعد انصراف الفتى بعض من حضر، فنظر فإذا أربعة أشهر ثلاث سنة، وهو تصحيف بلنسية، فخجل المنازع، ومضى إلى دار الفتى معتذرا.
كتب بعض وزراء ابن عبّاد إليه يتسخّط الإخوان هذا البيت: [الكامل]
وإذا صفا لك من زمانك واحد ... فهو المراد، وأين ذاك الواحد!
فوقّع في الكتاب: وأين ذاك الواحد؟ صحّف تعرف: فلمّا قرأه الوزير طار سرورا، ومثل بالبساط فلثمه بين يديه، وإنما صحّف، وأين، فجاء منه: وأنت، فردّ عليه من كلامه أبلغ جواب.
ومن ملح ابن عباد في التصحيف، أنه خرج في جملة وزرائه الأدباء، فاجتازوا
بإشبيليّة بالموضع الذي يباع فيه الجير والجبس، فلقي هناك جارية من أحسن الناس وأقّلهم حياء. فأقبل ابن عبّاد على ابن عمار، وقال: يا بن عمار الجيارين، فقال ابن عمّار: يا مولاي والجبّاسين، فعلم من حضر أنهما لم يريدا أن يعرّف كلّ واحد منهما صاحبه بما ذكر، فبحثوا عن مرادهما، فلم يعرفوه، فسألوا: ابن عمّار، فقال له ابن عباد: لاتبعها منهم إلا غالية. ثم إن ابن عمار أخبرهم أنّ ابن عبّاد أعجبه حسن الجارية، وعابها بقلة الحياء، فصحّف «الجيارين» ، فجاء منه «الحيازين» وصحّفت أنا «الجباسين» ، فجاء منه «الخناشين» ، فاستغربوا حضور أذهانهما وحسن كنايتهما.