فهرس الكتاب

الصفحة 1258 من 1453

والتفسير الحسن الّذي فيه جلاء للمعنى ما كان يفسّره به شيخي أبو بكر بن أزهر عن ابن جهور، وذلك أنه كان يفسّر أعطى بمعنى صفع وضرب، وكذلك كتب عليه في طرة كتابه، أنّ أعطى بمعنى ضرب، لغة أهل الشرق، وقد حدّثت أنا عنهم أنّ الرجل إذا كلم الآخر بما لا يرضيه ثم انصرف عنه صاح الآخر في أثره: أعطه، بمعنى اصفعه، فهي لفظة متعارفة بينهم لهذا المعنى وبيان موقعها هنا أنه لما ادّعى السّروجي أنه أعطي بناقته عشرين، فوصفها بما يصحّ معناه في حقها من أنها تساوي عشرين. ثم قال: إن المعرّف أبرز نعلا رزينة الوزن، أي ثقيلة في الميزان. محذوة لمسلك الحزن، أي قد جعل عليها حذاء، أي رقع من الجلد طرقت بها ليسلك بها الحزن، أي ليمشي بها في أرض ذات حجارة فلا تؤثّر فيها لتلك الأطراف، وبتلك الأطراف صارت ثقيلة في الوزن، فلمّا أبرز هذه النّعل التي وصفتها رفعها بيده إلى الحاكم قائلا له: هذه النّعل التي عرّفت، وإيّاها وصفت، فإن كانت هذه التي أعطي بها عشرين، أي صفع بها عشرين. فقلت: الإعطاء للنعل بمعنى يوافقها إذ عدّ عشرين دينار في ثمنها بعيد، ثم بينه بقوله: وها هو من المبصرين. والضّرب الجافي في العنق تدمع له العينان، وإذا أفرط فيه عمي له المصفوع، فيقول المعرّف: هذه النعل لو صفع بها إنسان صفعة واحدة لعمي وهذا يقول إنه صفع بها عشرين وهو سالم البصر، فقد كذب في ادّعائه أنه صفع بها عشرين، وكبرت فريته، اللهمّ إلا أن يمدّ قفاه فيرينا فيها أثر الصفع، وأثره احمراره وتعجيره، فيتبيّن بذلك الأثر صدق قوله. فهكذا تفسير هذا الموضع ومعناه، وابن جهور الذي شافه الحريري بمشكلات كتابه كان أضبط لها ممّن يتحكم فيها بنظره، فيكون تخليص المعنى إنّ

المعرّف يقول: هذه النعل يدّعي هذا أنه أعطي بها عشرين، وأنتم ترونه سالم البصر، ومحال أن يصفع بها إنسان لخشنها وثقلها عشرين صفعة إلا ويعمى، فقد صارت دعواه كاذبة إلا أن يمدّ لنا عنقه فنرى فيها أثر الصفع والرّزء فنصدّقه في دعواه. وفي رواية غير ابن جهور «بعد المبصرين» فقال: كذّب دعواه وهو داخل في قول المعرّف الأوّل فلا يحتاج إلى ادعائه، ولو جاء هنا بثمّ مكان الفاء لكان أبين فكان بمعنى قوله، قال: ثم يمشي في كلامه ثم ينسّق عليه قال: لكلام ثان، وإنما وضع الفاء موضع ثمّ لأن جواب الشرط الذي هو «فإن كان» مضمّن في قوله «وها هو من المبصرين» فإنه يتضمّن قوله:

«وها هو من المبصرين» معنى فقد كذب، وليس فيه لفظ الجواب، فجاءت الفاء كأنها جواب لفظي، ووقعت قال: موطّئة لقال الأولى، ألا ترى أن في رواية ابن جهور مكان فقال فقد، والكلام بها متّصل حسن، قال أبو الرقعمق يصف العمى من الصفع: [مجزوء الرمل]

ولقد بتنا على زمن ... ورؤوس القوم تسلب

وكؤوس الصفع دائرة ... وبها اللّذات والطّرب

وكأن الصفع بينهم ... شعل النّيران تلهب

والعمى منهم وإن شغلوا ... عنه باللّذات مقترب

وله: [مجزوء الكامل]

إنّ الذين تصافعوا ... بالقرع في زمن القشور

أسفوا عليّ لأنهم ... حضروا ولم أك في الحضور

لو كنت ثم لقيل هل ... من آخذ بيد الضرير

يا للرّجال تصافعوا ... والصّفع مفتاح السرور

لا تغفلوه فإنّه ... يستلّ أحقاد الصّدور

وقال يصف أثر الصّفع في قفاه: [البسيط]

ففيّ ما شئت من حمق ومن هوس ... قليله لكثير الحمق إكسير

كم رام إدراكه قوم فأعجزهم ... وقد حضرت يرى في الرأس تعجير

والأخدعان فما زالا يرى لهما ... لكثرة المزح توريم وتحمير

ففي هذه الأشعار تتبين لك تلك الأغراض التي قدمنا ذكرها.

وتنتظم في سلكها حكاية ابن المغازليّ، وكان رجلا يتكلّم ببغداد على الطّرق

بأخبار ونوادر منوّعة، وكان نهاية في الحذق لا يستطيع من سمعه ألّا يضحك قال: وقفت يوما على باب الخاصّة أضحك النّاس وأتنادر، فحضر خلفي بعض خدّام المعتضد، فأخذت في نوادر الخدم، فأعجب بذلك وانصرف، ثم عاد فأخذ بيدي وقال: دخلت فوقفت بين يدي سيّدي فتذكرت حكايتك فضحكت، فأنكر عليّ، وقال: ما لك ويلك! فقلت: على الباب رجل يعرف بابن المغازلي يتكلّم بحكايات ونوادر تضحك الثّكول، فأمر بإحضارك ولي نصف جائزتك، فطمعت في الجائزة، وقلت: يا سيّدي أنا ضعيف وعليّ عيلة، فلو أخذت سدسها أو ربعها! فأبى وأدخلني فسلّمت فردّ السّلام، وهو ينظر في كتاب، فنظر في أكثره، وأنا واقف، ثم أطبقه ورفع رأسه إليّ، وقال: أنت ابن المغازلي؟ قلت: نعم يا مولاي، قال: بلغني أنّك تحكي وتضحك بنوادر عجيبة، فقلت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت