حكى الحارث بن هّمام قال: سمرت بالكوفة في ليلة أديمها ذو لونين، وقمرها كتعويذ من لجين، مع رفقة غذوا بلبان البيان، وسحبوا على سحبان ذيل النّسيان، ما فيهم إلّا من يحفظ عنه ولا يتحفّظ منه، ويميل الرّفيق إليه، ولا يميل عنه، فاستهوانا السّمر، إلى أن غرب القمر، وغلب السّهر. فلمّا روّق اللّيل البهيم، ولم يبق إلّا التّهويم، سمعنا من الباب نبأة مستنبح، ثمّ تلتها صكّة مستفتح، فقلنا:
من الملمّ، في اللّيل المدلهمّ؟ فقال:
* * * [الكوفة]
سمرت بالكوفة. الكوفة بلد بالعراق مشهور بينه وبين بغداد ثلاثون فرسخا، وسميت كوفة لاستدارتها، أخذت من الكوفان، وهي الرملة الشديدة البياض، وقيل:
سمّيت كوفة لاجتماع الناس فيها، من قولهم: تكوّف الرمل تكوّفا، إذا ركب بعضه بعضا، وقيل: سمّيت كوفة، لأنها قطعت من البلاد، من قولهم: أعطيت فلانا كيفة، أي قطعة، وكفت أكيف كيفا: قطعت والكوفة «فعلة» منه، قلبت الياء واوا للضمّة التي قبلها.
وهي مدينة العراق الكبرى، والمصر الأعظم وقبّة الإسلام، ودار هجرة المسلمين، وأوّل مدينة اختطّها المسلمون بالعراق.
وذكر شيخنا أبو الحسن بن جبير في رحلته حاجّا، أنه دخل الكوفة في أوّل محرّم سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فقال: هي مدينة كبيرة، وقد استولى الخراب على أكثرها، فالعامر منها أقلّ من الخراب، ومن أسباب خرابها قبيلة خفاجة المجاورة لها، وهي لا تزال تضرّ بها، وكفاك بتعاقب الأيّام والليالي ما حقا ومفنيا! وبناؤها بالآجرّ خاصّة، ولا سور لها. والجامع العتيق آخرها ممّا يلي شرق البلد، ولا عمارة تتّصل به من جهة الشرق. وهو جامع كبير، في الجانب القبليّ منه خمس أبلطة، وفي سائر الجوانب بلاطتان متّسعتان، وهي على أعمدة من السّواري المصنوعة من صميم الحجارة المنحوتة قطعة على قطعة، مفرغة بالرّصاص، ولا قسيّ عليها، وهي في نهاية من الطول متصلة
بسقف المسجد، فتحار العيون في تفاوت ارتفاعها، فما رئي في الأرض مسجد أعلى سقفا منه، ولا أطول أعمدة، ولهذا الجامع آثار كثيرة منها بيت بإزاء المحراب عن يمين مستقبل القبلة، يقال إنه كان مصلّى الخليل إبراهيم عليه السلام، وعليه ستر أسود صونا له، ومنه يخرج الخطيب لابسا ثياب السواد للخطبة، والناس يزدحمون على هذا البيت للصلاة فيه، وبمقربة هذا البيت عن يمين القبلة محراب محّلق عليه بأعواد الساج، كأنه مسجد صغير مرتفع عن صحن البلاط، هو محراب عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وفيه ضربه الشقيّ عبد الرحمن بن ملجم، فالناس يصلّون فيه باكين داعين، وفي الزّواية من البلاط القبليّ المتّصل بآخر البلاط الغربيّ شبه مسجد صغير محلّق عليه أيضا بأعواد الساج، وهو مفار التّنّور الذي كان آية نوح عليه السلام، ويتصل بالجدار القبليّ فضاء، يقال إنه. كان منشأ السفينة.