هنّتك أكرومة جلّلت نعمتها ... أعلت وليّك واجتثّت أعاديكا
ما كان يحبى بها إلا إلإمام ولا ... كانت إذا قرنت بالخلق تعدوكا
وماتت بوران في سنة إحدى وسبعين ومائتين، وقد بلغت ثمانين سنة.
وثمّ بوران أخرى وهي بنت كسرى، وأمها مريم بنت قيصر، ملكت سنة ونصفا، وليست المعنيّة في المقامة.
وأما بلقيس فهي ابنة شراحبيل بن أبي سرح بن الحارث بن قيس بن صيّفي بن سبأ، وكان سبب مراسلة سليمان إليها أنه فقد الهدهد، وبه يعرف قرب الماء من بعده، فنزل سليمان عليه السلام بمفازة، فدعا بالهدهد فلم يوجد، فقال وهو غاضب {مََا لِيَ لََا أَرَى الْهُدْهُدَ} [النمل: 20] الآيات. وكان الهدهد قد مرّ بعرش بلقيس وبساتينها، فلمّا رجع تلقّته الطير، فقالوا: توعّدك رسول الله بنتف ريشك أو بذبحك، فينقطع نسلك، فقال:
وما استثنى؟ قالوا: بلى، قال: {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ} [النمل: 21] ، أي بعذر مبين فأتى سليمان فقال: ما غيّبك عني؟ قال: {أَحَطْتُ بِمََا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [النمل: 22] حتى بلغ {فَانْظُرْ مََا ذََا يَرْجِعُونَ} {قََالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ} [النمل: 28] الآيات فوجّهه بالكتاب، فوافقها في قصرها، فسدّ عليها بالكتاب ضوء طاق، فالتفتت فألقى إليها الكتاب، فأخذته وغطّته بثوب، ونادت في قومها فقالت: {يََا أَيُّهَا الْمَلَأُ} [النمل: 29] الآيات، فقالوا لها:
{نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ} [النمل: 33] الآيات. ثم قالت: إن قبل الهدية فهو ملك من ملوك الدنيا وأنا أعزّ منه، وإن لم يقبلها فهو نبيّ من عند الله.
فلما رجع بالهدية قال سليمان: {أَتُمِدُّونَنِ بِمََالٍ} إلى {وَهُمْ صََاغِرُونَ} [النمل:
37]. فلما رجع إليها رسلها بالخبر، خرجت فزعة في قومها قال ابن عباس رضي الله عنهما: ومعها ألف قيل، وأهل اليمن يسمون القائد القيل مع كل قيل عشرة آلاف.
وكان سليمان مهيبا لا يبدؤه أحد بشيء حتى يسأل عنه، فخرج فرأى رهجا قريبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس، قال: وقد نزلت منّا بهذا المكان. ثم قال: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهََا} [النمل: 38] فأتاه به الذي عنده علم الكتاب قبل ما قطع كلامه، وصرف بصره، فرآه مستقرّا عنده، فقال: هذا من فضل ربي. ثم جاءت بلقيس وقعدت إلى سليمان، فقيل لها: {أَهََكَذََا عَرْشُكِ} [النمل: 42] فنظرت إليه وقالت: {كَأَنَّهُ هُوَ}
[النمل: 42] ثم قالت: تركته في قصري والجنود محيطة به، فكيف جيء به! وكانت شعراء الساقين، فقالت الجن: إن نكحها سليمان فولدت له غلاما ما ننفكّ من العبودية أبدا، فهلمّ نبني له بنيانا، فيرى شعرها فيه فلا يتزوّجها، فبنوا له صرحا أخضر من قوارير كأنه الماء، وجعلوا في باطن طرائقه كلّ شيء من الدواب والسمك وغيره، وألقي لسليمان كرسي في أقصاه، فلما رأى منه ما رأى قعد عليه، ودعا بها، فلما رأت صور
السمك فيه حسبته لجّة، وكشفت عن ساقيها. فأبصر شعرها سليمان، فصرف بصره عنها، وقال إنه صرح ممرّد من قوارير، فقالت: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [النمل: 44] الآية. فقال سليمان للجن: ما يذهب الشعر؟ فقالوا: له النّورة، فاستنكحها سليمان عليه السلام.