لبست لكلّ زمان لبوسا ... ولابست صرفيه: نعمى وبوسا
وعاشرت كلّ جليس بما ... يلائمه لأروق الجليسا
فعند الرّواة أدير الكلام ... وبين السّقاة أدير الكؤوسا
وطورا بوعظي أسيل الدّموع ... وطورا بلهوي أسرّ النّفوسا
وأقري المسامع إمّا نطقت ... بيانا يقود الحرون الشّموسا
وإن شئت أرعف كفّي اليراع ... فساقط درّا يحلّي الطّروسا
وكم مشكلات حكين السهّا ... خفاء فصرن بكشفي شموسا
وكم ملح لي خلبن العقول ... وأسأرن في كل قلب رسيسا
وعذراء فهت بها فانثنى ... عليها الثّناء طليقا حبيسا
* * * هنيهة: سويعة، تصغيّر هنة، ويقال في تصغيرها. هنيّة وهنيهة، كما تصغّر سنة سنيّة، وسنيهة. يجول: يتصرّف. لبوسا: ثوبا يشاكله، أخذه من قول النابغة: [الرجز]
البس لكلّ حالة لبوسها ... إما نعيمها وإمّا بوسها [1]
لابست: خالطت. صرفيه: حاليه من الخير والشر. عاشرت: صاحبت يلائمه:
يوافقه. أروق: أعجب، والصّرف اسم لحادث الدهر، لأنه يصرف الأشياء عن وجوهها.
طورا: مرّة. أقرى المسامع: أعطي الآذان، وأجعل فيها البيان. إمّا نطقت، أي إن نطقت الحرون: الذي يأبى المشي والانقياد. الشّموس: الذي إذا نخس وثب، وقيل: الذي يمنع الركاب. اليراع: الأقلام: أرعفها: أسالها بالمداد. يحلي: يزيّن. الطّروس:
الكتب، سمّيت بذلك لأنها ممحوّة، والمطروس: الممحوّ. قال رؤبة: [الرجز]
* كما رأيت الطّلل المطروسا [2] *
وعلى ذكر اليراع قال محمد بن عبد الملك بن صالح الهاشميّ في قلم: [الطويل]
وأهيف طاوي الكشح أسمر ناطق ... له جولان في بطون المهارق
كأنّ اللآلي والزّبرجد نطقه ... ونور الخزامى في عيون الحدائق
إذا استعجلته الكفّ أمطر خاله ... بلا صوت إرعاد ولا صوب بارق
وقال ابن عبد ربه: [المنسرح]
بكفّه ساحر البيان إذا ... أداره في صحيفة سحرا
مهفهف تزدهي به صحف ... كأنما حلّيت به دررا
يكاد عنوانها لروعته ... ينبيك عن سرّها الذي استترا
وقال التّهاميّ: [الكامل]
يلقى العدا من كتبه بكتائب ... يجرّرن من زرد الحروف ذيولا
(1) الرجز ليس في ديوان النابغة الذبياني، وهو بيهس الفزاري في التنبيه والإيضاح 2/ 301، وتاج العروس (بهنس) ، (لبس) ، (نعم) ، وبلا نسبة في لسان العرب (لبس) ، وأمثال العرب ص 111، وجمهرة الأمثال 1/ 197، وخزانة الأدب 7/ 296، 11/ 103، والفاخر ص 62، والمستقصى 1/ 304، والوسيط في الأمثال ص 40، 89.
(2) الرجز في ديوان رؤبة ص 71.