قال أفلح التركي: خرجنا مرّة إلى حرب لنا، ومعنا معلم كان يقول: أنا أتمنى أن أرى الحرب كيف هي؟ فأخرجناه معنا، فأوّل سهم جاء وقع في رأسه، فلما انصرفنا دعونا له معالجا فنظر إليه، وقال: إن خرج الزّج وفيه شيء من دماغه مات، وإن لم
يخرج عليه شيء من دماغه لم يكن عليه بأس، فسبق إليه المعلم فقبّل رأسه، وقال: بشرك الله بخير، أنزعه فما في رأسي دماغ، فقال الطبيب: كيف ذلك؟ قال لأني معلّم كتاب الله تعالى، وما في رؤوس المعلمين ذرّة من دماغ، ولو كان فيه ذرّة من دماغ ما كنت هاهنا.
وقال موسى بن حسّان الكاتب: رأيت بالبصرة معلّما قد أجلس أولاد الأغنياء للظلّ وأولاد المساكين للشمس، وهو يقول لأولاد الأغنياء: يا أهل الجنة، ابزقوا على أهل النار يعني أولاد المساكين فقلت: يا هذا، ما بال هؤلاء يبخسون؟ فقال: هؤلاء يبخسون الأخطار.
أحمد بن دليل: مررت بمعلّم يضرب صبيا، ويقول: والله لأضربنّك حتى تقول لي: من حفر البحر؟ فقلت: أعزّك الله، والله لا أدري أنا من حفر البحر، فقل لي حتى أتعلّم أنا، فقال: حفر البحر كردم أبو آدم عليه السلام.
أبو العنبس: كان في دربنا معلّم طويل اللحية، فكنت أجلس إليه كثيرا وأتلهّى به، فجئته يوما وبين يديه صبيّ يقول له: ويلك! الدجلة من حفرها! قال: عيسى ابن مريم، قال: فالجبل من خلقه؟ قال: موسى بن عمران قال: فالبعر، من دوّره في است الجمل، قال: شيطان يقال له الحيّ، قال: أحسنت، فآدم من أبوه قال: بخ بخ، نجوت والله! فقلت: يا سبحان الله أليس آدم أبا البشر. قال: نعم. قلت: فكيف يكون نوح أباه! قال: ويلك أتعرّفني بآدم وأنا أبو عبد الله المعلم، يا صبيان كرفسوه فكرفسوني، حتى صيّروني مقيدا، فحلفت ألّا أقف على معلم أبدا.
الجاحظ: أتت امرأة إلى معلّم بابن لها، وكان المعلّم طويل للحية، فقالت: إن هذا الصبي عاقّ لا يطيعني فأحب أن تفزّعه، فأخذ المعلم لحيته وألقاها في فمه وحرّك رأسه، وصاح صيحة، فضرطت المرأة من الفزع، وقالت: إنما قلت لك: فزّع الصبي، ليس إياي، فقال: لها: مرّي يا حمقاء إن العذاب إذا نزل هلك الصّالح والطالح.
الأصمعي: مررت بمعلّم بالبصرة يضرب صبيا، ثم أقام الصبيان صفا وجعل يدور عليهم، ويقول: اقرؤوا، فلما بلغ الصبيّ المضروب قال لآخر إلى جنبه: قل له: يقرأ فإني لا أكلمه!.
ونذكر هنا في التأديب والأدباء ما يكون من شكل هذا الموضع، ثم نتبع عند ذكر الغلمان الحسان من الأشعار ما يجري كالبيان والتفسير لأحوالهم بعون الله تعالى.
قالت الحكماء: من أدّب ولده صغيرا سرّ به كبيرا، ومن أدّب ولده أرغم حاسده.
وقال ابن عباس من لم يجلس في الصغر حيث يكره لم يجلس في الكبر حيث يحبّ.
وقالوا: أطبع الطّين ما كان رطبا، وأغرز العود ما دام لدنا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مثل الذي يتعلم في صغره كالنقش على الصخر، والذي يتعلم في كبره كالذي يكتب على الماء» .