وخضت السّيول ورضت الخيول ... لجرّ ذيول الصّبا والمرح
ومطت الوقار وبعت العقار ... لحسو العقار ورشف القدح
ولولا الطّماح إلى شرب راح ... لما كان باج فمي بالملح
قوله: «السفار» : مصدر سافرت. جبت: قطعت. عفت: كرهت خضت: جزت ومشيت فيها. رضت: ذلّلت وركبت. المرح: النشاط والعجب. مطت: نحّيت وأزلت، ويقال: ماط وأماط: باعد، وأيضا باعد غيره، والأصمعيّ يقول: ماط هو، وأماط غيره.
العقار: المال الثابت الذي لا ينقل. حسو: شرب. العقار: الخمر. رشف: مصّ الطّماح: ارتفاع النظر. باح: تكلّم والملح: الكلام الحلو، يريد أنه فعل ما ذكر ليرتاح ويشرب الخمر.
ذكر أبو محمد الحريري في هذا الموضع من المقامات أوصاف الخمر وفضلها ومنافعها، وذهابها بالهموم والأسقام، وذكر أنها من أفضل الأشياء وأن بيع أشرف الأعلاق فيها سداد، وأن ترك الإصغاء فيها إلى العذل رشاد وأن كمال لذّتها مع السقاة الحسان، والتطّريب بأنواع الغناء والألحان، إلى غير ذلك مما أشار إليه، ونيّه عليه، وأنا أسوق هنا في وصف الخمر فصلا من كلام الحكماء والأدباء وسائر الأفاضل من الملوك ومهرة الشعراء، جريا معه في أغراضه، حسبما فعلناه في العاشرة في أوصاف الغلمان، وفي الحادية عشرة في فضائل أهل الأديان وأكثر اعتمادي في هذا الفصل على اختيارات انتقيتها من كتاب قطب السرور، وضممت إليها ما يلائمها من غيره، وهو فصل بديع في بابه.
ذكر مؤلفه في منافع الخمر وفضائلها قول الله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرََاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنََابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67] وقال تعالى في الجنة: {فِيهََا أَنْهََارٌ مِنْ مََاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهََارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهََارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشََّارِبِينَ وَأَنْهََارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} [محمد: 15، 16] فلم يذكر الماء واللبن إلا بالسّلامة من التغيّر، والعسل إلا بأنه مصفّى، وجعل الخمر لذّة للشّاربين، فكان هذا من التفضيل. وقال تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدََانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوََابٍ وَأَبََارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لََا يُصَدَّعُونَ عَنْهََا وَلََا يُنْزِفُونَ} [الواقعة: 18، 19] ، فنفى عنها عيوب خمر الدنيا، وهي ذهاب العقل بالسكر والصداع بالخمار وذهاب المال، كما قال تعالى في فاكهتها: {لََا مَقْطُوعَةٍ وَلََا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: 32، 33] ، فنفى عنها عيوب فاكهة الدنيا التي تأتي في وقت وتنقطع
في آخر وتمنع إلا بالثمن، وقال تعالى: {وَيُسْقَوْنَ فِيهََا كَأْسًا كََانَ مِزََاجُهََا زَنْجَبِيلًا}
[الإنسان: 17] .