فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 1453

ذكر مؤلفه في منافع الخمر وفضائلها قول الله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرََاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنََابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67] وقال تعالى في الجنة: {فِيهََا أَنْهََارٌ مِنْ مََاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهََارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهََارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشََّارِبِينَ وَأَنْهََارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} [محمد: 15، 16] فلم يذكر الماء واللبن إلا بالسّلامة من التغيّر، والعسل إلا بأنه مصفّى، وجعل الخمر لذّة للشّاربين، فكان هذا من التفضيل. وقال تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدََانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوََابٍ وَأَبََارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لََا يُصَدَّعُونَ عَنْهََا وَلََا يُنْزِفُونَ} [الواقعة: 18، 19] ، فنفى عنها عيوب خمر الدنيا، وهي ذهاب العقل بالسكر والصداع بالخمار وذهاب المال، كما قال تعالى في فاكهتها: {لََا مَقْطُوعَةٍ وَلََا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: 32، 33] ، فنفى عنها عيوب فاكهة الدنيا التي تأتي في وقت وتنقطع

في آخر وتمنع إلا بالثمن، وقال تعالى: {وَيُسْقَوْنَ فِيهََا كَأْسًا كََانَ مِزََاجُهََا زَنْجَبِيلًا}

[الإنسان: 17] .

وأما ما ذكره تعالى من أنّ فيها منافع للناس، فإنّ منافعها لا تحصى كثرة، فمن منافعها ما يصيب النّاس من أثمانها، ولو لم تعصر الأعناب لبارت على أهلها ومنها صلاح الجسم لأنها تروّق الدم وتفتق اللسان، وتزيد في الهمّة، وتهوّن الرزيّة، وتمدّ في الأمنية، قال جالينوس: الخمر تدرّ الدم وتصفّي اللون، وتقوّي المنعة، وتبعث النشاط.

وقال أفلاطون: إنما كان النبيذ يثمر السرور، ويولّد الضحك، ويطيّب النفس لشبهه بالدم، وأنّه يفعل في الجسد إذا اعتدل فعله، لأنه أحمر حارّ رطب والدم أحمر حارّ رطب، فإذا صحّ جوهره، وتمّت أجزاؤه ولّد في النفس السرور والضحك والنشاط.

الحارث بن كلدة. طبيب العرب: الطّلاء [1] مصلحة للبدن ومطيبة للنفس، تفتح له العروق أفواهها، كما تفتح الفراخ أفواهها للطعام.

بعث قيصر إلى قسّ بن ساعدة، فسأله: أيّ الأشربة أفضل؟ فقال: ما صفا في العين، ولذّ على الذوق، وطابت رائحته في الأنف من شراب الكرم، قال: ما تقول في مطبوخه؟ قال: مرعى ولا كالسّعدان، قال: فما تقول في نبيذ الزبيب؟ قال: ميّت أحيى، وفيه بعض المنفعة، وما يكاد يحيا من مات مرّة، قال: ما تقول في نبيذ العسل؟ قال:

نعم شراب الشيخ للإبردة [2] والمعدة الفاسدة.

قال: فنبيذ التمر؟ قال: أوساخ تدعو إليها ضرورات تذمّ عاقبتها في الأبدان، قال:

فما الّذي يذهب بالهموم عند الشراب؟ قال: جوهر فيه لا تبلغه عقول العباد، قال: فما أصلح أوقات الشراب؟ قال: أوّل النهار، ألا ترى أنّ الدواء يبكّر به، والمسافر يدلج لحاجته! لأنّ العقول أول النهار أذكى والفطن أصحّ، قال: فمن أيّ شيء يكون الخمار؟

قال: من ضعف قوة الجوارح عن جذب ما يصعد إلى الدماغ من البخار حتى يفشيه الهواء قليلا قليلا، قال: فالصّرف أفضل أم الممزوج؟ قال: الصّرف سلطان جائر، والممزوج سلطان عادل، والعادل مصلح، والجائر مفسد، قال: أفتشربه أنت؟ قال: نعم، ولا أبلغ ما يغيّر عقلي، قال: ولم؟ قال: أصونه لسؤال مثلك.

أمر الوليد بن يزيد بحمل ابن شرّاعة من الكوفة، فلما قدم عليه، قال: يا بن شراعة، والله ما أرسلت إليك، أسألك عن كتاب الله ولا عن سنة نبيه، قال: يا أمير المؤمنين لو سألتني عنهما لوجدتني حمارا، قال: أرسلت إليك أسألك عن القهوة، قال:

دهقانها الحكيم وطبيبها الرفيق العليم، فاسأل عمّا بدا لك، قال: فأخبرني عن الماء،

(1) الطلاء: من أسماء الخمر.

(2) الإبردة، بكسر الهمزة والراء: علة من غلبة البرد والرطوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت