ويسمّى أخذ الحريريّ شطر بيت العرجيّ التّضمين، وليس بسرقة. والتّضمين يكون في بيت وفي شطر بيت، والشّعراء تتولّع به كثيرا، وهو من صنعة البديع، فمن الثاني قول الأخطل: [الكامل]
ولقد سما للخرّمي فلم تقل ... بعد الونى لكن تضايق مقدمي
ومثله قول الآخر: [الطويل]
وجزت على باب الأمير كأنّني ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ومن تضمين بيت بكماله قول الحسن بن هانيّ: [البسيط]
إنّي عجبت وفي الأيام معتبر ... والدّهر يأتي بألوان الأعاجيب
من صاحب كان دنياي وآخرتي ... عدا عليّ جهارّا عدوة الذّيب
قد كان لي مثل لو كنت أعقله ... من رأى غالب أمر غير مغلوب
لا تمدحنّ امرأ حتى تجرّبه ... ولا تذمّنّه من غير تجريب
فضمّن هذا البيت.
قال ابن حجاج: [الكامل]
قد قلت لما أن رجعت مولّيا ... ومعي مدابير من الكتّاب
نحن الذّين لهم يقال وكلّنا ... فلّ العصا وطريدة الحجاب
قوم إذا قصدوا الملوك لمطلب ... نتفت شواربهم على الأبواب
وقال ابن رشيق: سألني بعض أصحابي أن أضمّن له قول الشاعر:
فإن فخرت بآباء لهم شرف ... قلنا صدقت، ولكن بئس ما ولدوا
ولا أزيد على بيت واحد، فقلت: [البسيط]
أصبحت من جملة الأشراف إن ذكروا ... كواحد الآس لا يزكو له عدد
والتضمين كثير.
* * * [قصة النضر بن شميل مع المأمون]
وعلى بيت العرجيّ: [الوافر]
* أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا *
حديث النضر بن شميل، قال: كنت أدخل على المأمون في سمره فدخلت ذات
ليلة وعليّ أطمار أخلاق، فقال: يا نضر، ما هذا التقشّف! تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان؟ فقلت: أنا شيخ ضعيف، وحرّ مرو شديد، فأتبّرد بهذه الخلقان، قال: لا، ولكنك قشف، فيحمل منك هذا على التقشف. ثم أجرينا الحديث، فقال: حدّثنا هشيم، عن مجاهد، عن الشعبيّ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها ولجمالها وكمالها، كان فيها سداد من عوز» فأورده بفتح السين، قلت: يا أمير المؤمنين، حدّثنا عوف بن أبي جميلة الأعرابيّ، عن الحسن عن عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تزوج الرّجل المرأة لدينها ولجمالها وكمالها كان فيها سداد من عوز» ، وكان المأمون متكئا فستوى جالسا، وقال: كيف قلت يا نضر «سداد» ؟ قلت: سداد لأنّ «السّداد» هنا لحن، قال: أو تلحّنني! قلت: إنما لحن هشيم وكان لحّانة فتبع أمير المؤمنين لفظه، فقال: فما الفرق بين السّداد والسّداد؟ قلت: السّداد القصد في الدين والسبيل والسّداد بالكسر البلغة في الشيء، وكلّ ما سددت به شيئا فهو سداد، قال: أو نعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم هذا العرجي من ولد عثمان، يقول: [الوافر]