فهرس الكتاب

الصفحة 1171 من 1453

فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «على رسلك يا جارود، فلست أنساه بسوق عكاظ، على جمل له أورق، وهو يتكلّم بكلام مونق، ما أظنّ أحفظه، فهل فيكم يا معشر المهاجرين والأنصار من يحفظ لنا منه شيئا» ؟ فوثب أبو بكر قائما، وقال: يا رسول الله، أنا أحفظه وكنت حاضرا بعكاظ حين خطب فأطنب، ورهّب ورغّب، وحذّر وأنذر، وقال في خطبته: أيّها الناس اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكلّ ما هو آت آت، مطر ونبات، وأرزاق وأقوات، وآباء وأمهات، وأحياء وأموات، وجمع وشتات، وآيات بعد آيات، إنّ في السماء لخبرا، وإنّ في الأرض لعبرا. ليل داج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات رتاج، وبحار ذات أمواج، مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون! أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا هناك فناموا! أقسم قسّ بالله قسما حقّا لا آثما فيه ولا حانثا، إنّ لله دينا هو أحبّ إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ونبيّا قد حان حينه، وأظّلكم أو أنه وأدرككم إبّانه، فطوبى لمن آمن به فهداه، وويل لمن خالفه وعصاه! ثم قال: تبّا لأرباب الغفلة من الأمم الخالية، والقرون الماضية! يا معشر إياد، أين الآباء، والأجداد، وأين المريض والعوّاد، وأين الفراعنة الشّداد؟ أين من بنى وشيد، وزخرف ونجّد، وغرّه المال والولد! أين من بغى وطغى، وجمع فأوعى، وقال: أنا ربّكم الأعلى

ألم يكونوا أكثر منكم أموالا، وأطول منكم آجالا، طحنهم الثّرى بكلكله، ومزّقهم بتطاوله، فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خاوية، عمّرتها الذئاب العاوية كلّا بل هو المعبود، ليس بوالد ولا مولود، ثم أنشأ يقول:

في الذاهبين الأولين الأبيات المتقدمة. قال: ثم جلس أبو بكر رضي الله عنه، وقام رجل ذو هامة عظيمة، وقامة جسيمة، فقال: يا سيّد المرسلين، وصفوة ربّ العالمين، لقد رأيت من قسّ عجبا أشرف بي جملي على واد، وشجر من شجر عاد، مورقة مونقة، وقد تهدّل أغصانها. قال: فدنوت منه، فإذا بقسّ في ظل شجرة، بيده قضيب من أراك ينكت به الأرض وهو يترنّم، ويقول: [البسيط]

يا ناعي الموت والملحود في جدث ... عليهم من بقايا خزّهم خرق

دعهم فإنّ لهم يوما يطاح بهم ... فهم إذا انتبهوا من نومهم فرق

حتى يعودوا بحال غير حالهم ... خلفا جديدا كما من قبلها خلقوا

منهم عراة ومنهم في ثيابهم ... منها الجديد ومنها المنهج الخلق

قال: فدنوت منه، وسلّمت عليه، فردّ عليّ السلام، وإذا بعين خرارة، في أرض خوارة، ومسجد بين قبرين، وأسدين عظيمين، يلوذان به، ويتمسّحان بأثوابه، فأراد أحدهما أن يسبق إلى الماء، وتبعه الآخر يطلب الماء، فضربه قسّ بالقضيب، وقال: ارجع ثكلتك أمّك! حتى يشرب الذي ورد قبلك. فرجع ثم ورد بعده، فقلت له: ما هذان القبران؟ قال: هذان قبر أخوين لي كانا يعهدان الله معي في هذا المكان، لا يشركان بالله شيئا، فأدركهما الموت فقبرتهما، وها أنا بين قبريهما، حتى ألحق بهما. ثم نظر إلى السماء فتغرغرت عيناه بالدموع، وانكبّ عليهما، وجعل يقول: [الطويل]

خليليّ هبّا طالما قد رقدتما ... أجدّ كما لا تقضيان كراكما

ألم تعلما أني بسمعان مفرد ... وما لي فيها من خليل سواكما

مقيم على قبريكما لست بارحا ... طول اللّيالي أو يجيب صداكما

أبكيكما طول الحياة وما الّذي ... يردّ على ذي عولة إن بكاكما ... كأنكما والموت أقرب غاية ... بروحي في قبريكما قد أتاكما

أمن طول نوم لا تجيبان داعيا ... كأنّ الذي يسقي العقار سقاكما

فلو جعلت نفس لنفس وقاية ... لجدتّ بنفسي أن تكون فداكما

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله قسّا، إني لأرجو أن يبعثه الله أمة وحده» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت