فهرس الكتاب

الصفحة 1277 من 1453

الأيك: شجر. الجدل منك وإليك، أي إنّما كان هذا الخصام بينك وبين نفسك، ولم يكن ثمّ صبي تحاوره، أي أن حديثك مصنوع لا أصل له.

ومن مستعمل الأخبار المصنوعة ما يحكى أن حبيب بن أوس، قال: لقينا أعرابيّ، وقد خرجت في أيام الواثق إلى سرّ من رأى، فقلت له: ممنّ؟ قال: من بني عامر، قلت: كيف علمك بعسكر أمير المؤمنين؟ قال: قتل أرضا عالمها، قلت: ما تقول في أمير المؤمنين؟ قال: وثق بالله فكفاه، أشجى العاصية، وقمع العادية، وعدل في الرعيّة. قلت: فما تقول في أحمد بن أبي دؤاد؟ قال: هضبة لا ثرام، وجبل لا يضام، تشحذ له المدى، وتنصب له الحبائل، حتى إذا قيّد وثب وثبة الذئب، وختل ختل الضّب. قلت: فحمد بن عبد الملك؟ قال: وسع الداني شرّه، ووصل البعيد ضرّه، له في كل يوم صريع، لا يرى فيه أثر ناب، ولا ندب مخلب، قلت: فما تقول في الفضل بن مروان؟ قال: ذلك الرجل نشر بعد ما قبر، فعليه حياة الأحياء، وخفته الموتى. قلت: فابن الخصيب؟ قال: أكل أكلة نهم، وذرق ذرقة بشم، قلت: فأخوه إبراهيم؟ قال: أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، قلت فأحمد بن إبراهيم؟

قال: لله درّه! أيّ رجل هو! اتّخذ الصّبر دثارا، والحق شعارا، وإن هوّن عليه يهمّ، قلت: فسليمان بن وهب؟ قال: ذلك رجل السلطان، وبهاء الدّيوان، قلت: فأخوه الحسن؟ قال: عود نضير، غرس في منابت الكرم حتى إذا اهتز لهم حصدوه، قلت:

فإبراهيم بن نجاح؟ قال: ذلك رجل أوثقه كرمه، وأسلمه حسبه، وله دعاء لا يسلمه، وربّ لا يخذله، وخليفة لا يظلمه، قلت: فنجاح بن سلمة؟ قال: لله درّه أيّ طالب وتر ومدرك ثأر! يلتهب كأنه شعلة نار، له من الخليفة في الأنام جلسة تزيل نعما، وتحلّ نقما، قلت: يا أعرابيّ أين منزلك؟ قال: اللهمّ غفرا إذا اشتمل الظّلام، ألتحف الليل، فحيثما أدركني الرّقاد رقدت، ولا أخلق وجهي بمسألتهم؟ أما سمعت هذا الطائيّ يقول: [البسيط]

وما أبالي وخير القوم أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي

فقلت له: أنا قائل هذا الشعر، قال: أئنّك لأنت الطائي! قلت: نعم، قال: لله أبوك، أنت الذي تقول: [البسيط]

ما جود كفّك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أخلقته عوض

قلت: نعم، قال: أنت أشعر أهل زمانك.

ونمي خبره إلى ابن أبي داود فأوصله إلى الواثق، فأعطاه ألف دينار، وأخذ له من أهل الدولة ما غني به عقبه بعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت