فهرس الكتاب

الصفحة 839 من 1453

وكسرى أنوشروان هو الذي بنى سور الأبواب وهو من عجائب الدنيا فلما بناه هادته الملوك وكاتبته. وهو الذي افتتح كثيرا من بلاد الشأم الرومية، ونقل منها الرخام إلى العراق. وقيل: إن النبي صلّى الله عليه وسلم ولد لاثنتين وعشرين سنة من ملكه، وقيل: إنه ولد في آخر ملكه كما قدّمنا.

ثم ولي من بعده ابنه هرمز، وكان مضعّفا، غزته الملوك وطمعت فيه، ثم خلعته الفرس، وسملت عينيه.

وعقد الملك لابنه أبرويز في حياته، فبعد حروب شديدة اجتمع لأبرويز أمره، وكان وزيره بزرجمهر أكثر الفرس حكما ومواعظ.

وفي ملكه كانت وقعة ذي قاربين بكر بن وائل، والهرمز صاحب أبرويز، لأربعين سنة لمولد النبي صلّى الله عليه وسلم. وقيل إنها كانت في غزوة بدر وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «هذا يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصرت» .

وكان على مربط أبرويز خمسون ألف دابّة وألف فيل، فخرج في أحد أعياده، وقد صفّت له الجيوش وأحدقت به مائة ألف فارس دون الرجّالة، وصفّت له الفيلة، فلما بصرت به سجدت له، فما رفعت رؤوسها حتى رفعت خراطيمها بالمحاجن، فأعلم بذلك وقال: وددت أنها فارسية، ولم تكن هندية، انظروا إلى أدبها من بين سائر الدواب. ثم هدم الله تعالى هذا الملك العظيم بالإسلام، قال الألبيري: [الكامل]

فطف البلاد لكي ترى آثار من ... قد كان يعمرها من الأقيال

عصفت بهم ريح الرّدى فذرتهم ... ذرو الرياح الهوج حقف رمال

فتقطعت أسبابهم وتمزّقت ... ولطالما كانوا كنظم لآلي

قيل لأبرويز وكان حكيما: ما شهوة ساعة؟ قال: الجماع، قيل: فما شهوة يوم؟

قال: دخول الحمام، قيل: فما شهوة جمعة؟ قال: غسل الثياب، قيل: فما شهوة شهر؟

قال: تجديد الثياب، قيل فما شهوة سنة؟ قال: تزوج الأبكار قيل: فما شهوة الأبد؟

قال: أمّا في الدنيا فمشاهدة الإخوان، وأما في الآخرة فنعيم الجنة.

ونظر إلى قذاة في طعام، فدعا الطباخ فقال: ما هذا؟ فقال: حاولته بالليل في وقت لم يكن فيه ماء معين، فأمر بضرب عنقه، فغضب الطباخ وقال: يا بن الأشتوربان تفسيره يا بن سائس الدواب فعفا عنه، وقال: إنا معشر الملوك نعاقب في الصغير، ونعفو عن الكبير.

وأما دارا بن بهمن، وهو آخر ملوك الفرس الأول، فإنه كان ضخم الملك، ذا قدرة ومكانة، وهو الذي بنى بأرض الجزيرة مدينة دارابجرد، وكانت جنده ستمائة

ألف، ولقبه الإسكندر بالجزيرة، فدارت بينهم الحروب أربعين يوما، وخندق دارا على عسكره خمس خنادق، وجعل على كلّ خندق اثني عشر ألف رجل، وكانت النوبة لا تصيب الرجل إلا يوما في كل خمسة أيام، فوجد الإسكندر من ذلك وجدا شديدا، فبعث إلى دارا: إنّا كدنا نتفانى، ورأيت رأيا فيه البقاء لنا ولك، وذلك أن تفرج لي، فأخرق صفّك خرقا إلى جانب بلادك وأرجع إلى بلادي، فإنا لا نرى الفرار من الزحف، وهو عار لا يغسل. فأجابه دارا: لا سبيل إلى ذلك. فلما رأى الإسكندر ذلك وضع البرنس، وحسر عن رأسه، وقال: يا معشر الروم، هذا هو العجز والذلّ عن الانتصار، هل فيكم من يحتال لي في هذا الأمر، وله نصف مال الروم والعجم، ونصف ما في بيوت الأموال؟ فقد أدركتني الحمية. فبلغ الخبر إلى صاحب حرس دارا فقال: أنا أفعل ذلك وآخذ مالا عظيما. فلما التحم القتال حمل على دارا فطعنه بحربة في ظهره، فوقع على الأرض وانهزم عسكر دارا. فجاء الإسكندر ووضع رأس دارا في حجره، ومسح التراب عن وجهه، وقبّله وبكى، وقال: الحمد لله الذي لم يجعل قتلك على يدي، ولا على يد أحد من جندي فسل ما بدا لك أقضه، فقال له دارا: من حاجتي عندك ألّا تخرب بيوت النيران، وأن تنصفني من قاتلي قبل موتي، فإنه إن بقي عندك سيكفر معروفك، كما كفر معروفي. فقال له الإسكندر: حاجتي عندك أن تزوّجني بنتك روشنك، فقال دارا: على أن تجعل الملك من بعدك لولدك منها، فأجابه إلى ذلك وزوّجه ابنته، وأخذ الإسكندر قاتله وقطعه أربع قطع، واستولى على جميع مملكته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت