وكان سليمان مهيبا لا يبدؤه أحد بشيء حتى يسأل عنه، فخرج فرأى رهجا قريبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس، قال: وقد نزلت منّا بهذا المكان. ثم قال: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهََا} [النمل: 38] فأتاه به الذي عنده علم الكتاب قبل ما قطع كلامه، وصرف بصره، فرآه مستقرّا عنده، فقال: هذا من فضل ربي. ثم جاءت بلقيس وقعدت إلى سليمان، فقيل لها: {أَهََكَذََا عَرْشُكِ} [النمل: 42] فنظرت إليه وقالت: {كَأَنَّهُ هُوَ}
[النمل: 42] ثم قالت: تركته في قصري والجنود محيطة به، فكيف جيء به! وكانت شعراء الساقين، فقالت الجن: إن نكحها سليمان فولدت له غلاما ما ننفكّ من العبودية أبدا، فهلمّ نبني له بنيانا، فيرى شعرها فيه فلا يتزوّجها، فبنوا له صرحا أخضر من قوارير كأنه الماء، وجعلوا في باطن طرائقه كلّ شيء من الدواب والسمك وغيره، وألقي لسليمان كرسي في أقصاه، فلما رأى منه ما رأى قعد عليه، ودعا بها، فلما رأت صور
السمك فيه حسبته لجّة، وكشفت عن ساقيها. فأبصر شعرها سليمان، فصرف بصره عنها، وقال إنه صرح ممرّد من قوارير، فقالت: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [النمل: 44] الآية. فقال سليمان للجن: ما يذهب الشعر؟ فقالوا: له النّورة، فاستنكحها سليمان عليه السلام.
وذكر ابن إسحاق أنّها لمّا أسلمت، قال لها سليمان: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه، فقالت: ومثلي ينكح، وقد كان لي من الملك والسلطان ما كان! فقال لها: ما ينبغي أن تحرّمي ما أحّل الله لك، فزوّجها ذا تّبع ملك همدان، ومّلكه اليمن، وردّها معه، فلم يزل ملك اليمن حتى مات سليمان. وكانت بلقيس من بيت المملكة، قيل: إنها ولدها أربعون ملكا، واختلف في أمها فقيل: إنسيّة وقيل جنّية.
وأما عرشها، وهو سريرها، فقيل: كان طوله ثمانين ذراعا، وعرضه كذلك. وكان عرشها صفائح من ذهب وفضة قد ركبت فيه فصوص الياقوت الأحمر والزّبرجد الأخضر والدرّ واللؤلؤ، وكان له قائمتان من ياقوت وقائمتان من زبرجد، والملك لله وحده، الذي سخر لسليمان هذا الملك العظيم ومن أحضر له هذا العرش العظيم قبل رجع الطرف!
وذكر الحريري في الدرّة: أن صواب لفظ «بلقيس» أن تكسر باؤه لأن كل أعجمي يعرّب فقياسه أن يلحق بأمثلة كلام العرب، قال: وعلى ذلك بلقيس.
وقرأت في أخبار سيف الدولة أن الخالديّين مدحاه، فبعث إليهما وصيفا ووصيفة، مع كلّ واحد منها بدرة وتخت من ثياب مصر والشام، فكتبا إليه: [الكامل]
لم يغد شكرك في الخلائق مطلقا ... إلا ومالك في النّوال حبيس
خوّلتنا شمسا وبدرا أشرقت ... بهما لدينا الظلمة الحنديس
رشأ أتانا وهو حسنا «يوسف» ... وغزالة هي بهجة «بلقيس»
هذا ولم تقنع بذاك وهذه ... حتى بعثت المال وهو نفيس
أتت الوصيفة وهي تحمل بدرة ... وأتى على ظهر الوصيف الكيس
وكسوننا مما أجادت حوكه ... مصر وزادت حسنه تنّيس
فغدا لنا من جودك المأكول والم ... شروب والمنكوح والملبوس
فلما قرأها سيف الدولة قال: أحسنا، إلا في لفظ «المنكوح» ، إذ ليست مما يخاطب بها الملوك.
وهذا من بديع نقده المليح وشواهد ذكائه الصريح.
وأما الزّبّاء: فقد تقدّم ملكها في الرابعة والعشرين.