سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يسبّ برغوثا، فقال: «لا تسبه فإنّه نبّه نبيّا من الأنبياء لصلاة الفجر» .
أبو الدرداء رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا آذاك البراغيث، فخذ قدحا من الماء، واقرأ عليه سبع مرات، {وَمََا لَنََا أَلََّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللََّهِ وَقَدْ هَدََانََا سُبُلَنََا} [إبراهيم:
12]إلى قوله: {الْمُتَوَكِّلُونَ} ، فكفّوا شركّم وأذاكم عنّا، ثم ترشّ الماء حول فراشك، فإنك تبيت الليلة آمنا من شرّها».
شنارك: عيبك وعارك: تفري: تقطع، وفرى، يستعمل في القطع على جهة الإصلاح، وقد جاء هنا في الإفساد، ومنه قوله الشاعر: [الطويل]
فرى نائبات الدهر بيني وبينها ... وصرف الليالي مثل ما فري الجلد
ابن سيده: فرى الشيء يفريه فريا وفرّاه تفريةّ، كلاهما شقه وأفسده وأفراه أصلحه، والمتقنون من أهل اللغة، يقولون: فرى: شق الإفساد وأفرى للإصلاح وقيل: أفراه أفسده، وفراه: قطعه للإصلاح قال الأصمعيّ رحمه الله أفرى الجلد مزقه وأفسده، يفريه إفراء، وفرى المزادة يفريها فريا: خرزها، القلامة: ما يقص من الظّفر، وبها يتعلق وسخه، فهي مع حقارتها مستقذرة.
وأما أبو دلامة، فاسمه زند بالنون ابن الجون، وهو كوفي أسود، مولى لبني أسد، أدرك آخر أيام بني أميّة، ونبغ في أيام بني العباس، ومدح السّفاح والمنصور والمهدي، وكان صاحب نوارد وملح، وكان خليعا فاسد الدين، رديء المذهب، وقد تقدّم له شيء من ذلك في الصّلاة والحجّ، ونذكر له هاهنا شيئا في الصيام، ونضيف له فنونا من سائر ملحه.
وأما بغلته فكانت جامعة لعيوب الدوابّ كلها، وكانت أشوه الدّوابّ خلقة في منظر العين وأسوأها خلقا في مخبرها، فكان إذا ركبها تبعه الصبيان يتضاحكون به، وكان يقصد ركوبها في مواكب الخلفاء والكبراء، ليضحكهم بشماسها حتى نظم فيها قصيدته المشهورة وهي: [الوافر]
أبعد الخيل أركبها كراما ... وبعد الفره من من حضر البغال
رزقت بغيلة فيها وكال ... وليته لم يكن غير الوكال
رأيت عيوبها كثرت وغالت ... وإن أكثرت ثمّ من المقال
ليحصي منطقي وكلام غيري ... عشير خصالها، شرّ الخصال
فأهون عيبها أنّي إذا ما ... نزلت وقلت: أمشي لا تبالي
تقوم فما تبتّ هناك شبرا ... وترمحني وتأخذ في قتالي
وحين ركبتها آذيت نفسي ... بضرب باليمين وبالشّمال
وبالرّجلين أركضها جمعا ... فيالك في الشقاء وفي الكلال
أتاني خائب يستام منيّ ... عريق في الخسارة والضّلال
وقال تبيعها؟ قلت ارتبطها ... بحكمك إنّ بيعي غير غال
فأقبل ضاحكا نحوي سرورا ... وقال أراك سهلا ذا جمال
هلمّ إليّ يخلو بي خداعا ... وما يدري الشّقيّ بمن يخالي
فقلت بأربعين فقال أحسن ... إليّ فإن مثلك ذو سجال
فأترك خمسة منها لعلمي ... بما فيه يصير من الخبال
فلمّا ابتاعها مني وبتّت ... له في البيع غير المستقال
أخذت بثوبه وبرئت ممّا ... أعدّ عليه من سوء الخلال
برئت إليك من مشش قديم ... ومن جرد ومن بلل المخالي
ومن فتق بها في البطن ضخم ... ومن عقالها ومن انفتال
ومن قطع اللسان ومن بياض ... بعينيها ومن قرض الحبال
ومن عضّ الغلام ومن خراط ... إذا ما همّ صحبك بارتحال
وأقطى من فريخ الذّر مشيا ... بها عرن وداء من سلال
وتكسر سراجها أبدا شماسا ... وتقمص للإكاف على اغتيال
ويدبر ظهرها من مسّ كف ... وتهزم في الجمام وفي الجلال
تظلّ لركية منها وقيذا ... يخاف عليك من ورم الطّحال
ومثفار تقدّم كلّ سرج ... تصيّر دفيه على القذال
وتحفى لو تسير على الحشايا ... ولو تمشي على دمث الرّمال
إذا استعجلتها عثرت وبالت ... وقامت ساعة عند المبال
وتضرط أربعين إذا وقفنا ... على أهل المجالس للسّؤال
فتقطع منطقي وتحول بيني ... وبين حديثهم فيما توالي
وتذعر للدّجاجة إذ تراها ... وتنفر للصّفير، وللخيال
فأمّا الاعتلاف فأذن منها ... من الأتبان أمثال الجبال
وأما القتّ فأت بألف وقر ... بأعظم حمل أحمال الجمال
فلست بعالف منها ثلاثا ... وعندك منه عود للخلال
وإن عطشت فأوردها دجيلا ... وإذا أوردت أو نهري بلال
فذاك لريّها سقيت حميما ... وإن مدّ الفرات فللنّهال
وكانت قارحا أيّام كسرى ... وتذكر تبّعا عند الفعال
وقد دبرت ونعمان صبيّ ... وقبل فصاله تلك الليالي
وتذكر إذ نشا بهرام جور ... وعامله على خرج الجوالي
وقد مرّت بقرن بعد قرن ... وآخر عهدها لهلاك مالي
فأبدلني بها يا ربّ طرفا ... يزين جمال مشيته جمالي
وأنشدها المهدي: فقال: لقد أقلت من بلاء عظيم، فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد مكثت شهرا أتوقع صاحبها أن يردّها، فقال المهديّ لصاحب دوابه: خيّره بين مركبين في الإصطبل، فقال: إن كان الاختيار إليّ فقد وقعت في شرّ من البغلة، ولكن مره يختر لي، ففعل.