فهرس الكتاب

الصفحة 716 من 1453

وكان لها شعر إذا مشت يتدلّى وراءها، وإذا نشرته جلّلها، فسمّيت الزباء، لكثرة شعرها، فجمعت خيل أبيها وغزت بالجيوش من حواليها من الملوك، فذّللتهم، فضرب بها المثل فقيل: أعزّ من الزباء، واشتهر عنها علوّ الهمة، وسموّ القدرة، وقوّة المنعة، ومضاء العزم، وبذل الأموال. فلما استحكم ملكها أرادت أن تغزو جذيمة لتدرك فيه ثأر أبيها، فنهتها أختها زبيبة عن ذلك وقالت: لا طاقة لك به، ولكن ابني أمرك فيه على المكر والحيل. فبعثت إلى جذيمة تخطبه على نفسها، ليتّصل ملكه بملكها، فيصيرا بذلك أعزّ الملوك وكان بلغه عن جمالها ما أطمعه في الظّفر بها فأخبر أرباب دولته بمخاطبتها إيّاه، فكلّهم أشار عليه أن يتزوّجها، إلا قصير بن سعد بن عمرو وكان لبيبا عاقلا له عزم وحزم، وكان خازنه وعميد دولته فإنه قال له: هذا رأي فاتر، لأن الزباء قتلت أباها والدم لا ينام، ولك في بنات الملوك الأكفاء متّسع، فقال له الملك: إنّ النفس إلى ما تحبّ توّاقة، وإن كان القدر قد جرى بشيء فلا مفرّ عنه.

وكتبت إليه الزباء تطلب منه قدومه عليها للنكاح، وقالت له: لولا أنّ السعي في مثل هذا للرّجال أجمل، ولهم ألزم، لسرت إليك. وأهدت مع كتابها من العبيد والسلاح والأموال والذهب هديّة سنية فلما وصلت أبهجته، وحسب أن ذلك لفرط رغبتها فيه، فشاور قومه وابن أخته عمرا، فشجعوه على المسير إليها، واستخلف عمرا على ملكه، وسار في خواصّه حتى نزلوا بالفرضة، فشاور خواصّه وقصيرا في الجملة، فأشاروا عليه بالمسير إلا قصيرا، فإنه قال: أيّها الملك كلّ عزم لا يؤيّد بحزم فآخره إلى فساد ولولا أن الأمور تجري على المقدور، لعزمت على الملك ألّا يفعل، فقال جذيمة: الرأي مع الجماعة، فقال قصير: أرى القدر سابق الحذر، ولا يطاع لقصير رأي. فلما قرب من ديارها أرسل إليها يعلمها بموضعه، فأظهرت السرور به، وأخرجت له هدايا وأنواعا من الأطعمة والأشربة، فقال لقصير: كيف ترى؟ فقال قصير: من لم ينظر في العواقب لم يأمن المصائب، فاستدرك الأمر قبل فوته، وارجع فإنّ في يديك بقية تستدرك بها الصّواب، وإن كنت لا بدّ فاعلا فإن القوم إنّ تلقّوك غدا يجيء قوم ويذهب قوم، فالأمر في يديك، وإن تلقّوك صفّين فإذا توسطتهم وأحدقوا بك، فقد ملكوك، وهذه العصا وهي فرس لجذيمة تستبق الطير فسأعرضها لك فاركبها لتسلم عليها، فإنه لا يشقّ غبارها، فأرسلها مثلا.

فلما كان غد لقوه صفين، فلمّا توسطهم انقضّوا عليه، فقال لقصير: صدقت فما الرأى: فقال له: بقّة تركت الرأي، وهذه العصا، اركبها، فشغله الأمر عنها فلما رأى قصير الجيوش تسير بجذيمة أعطى العصا عنانها، فهوت به هويّ الرّيح، فتطاول إليه جذيمة ينظره، فقال: ويل له جذيمة فجرت به إلى غروب الشمس.

قال الأصمعي رحمه الله تعالى: لم تقف حتى جرت ثلاثين ميلا، ثم وقفت

فبالت، فبني على الموضع برج يسمى برج العصا وأشرفت الزباء من قصرها تنظر إلى جذيمة، وهو يساق، فقالت: ما أحسنك من عروس يزف إليّ! فدخلوا به إليها، وحولها ألف وصيفة، لا تشبه واحدة صاحبتها في خلق ولا زيّ، وهي بينهنّ كالقمر حفت به النجوم، فأمرت بالأنطاع فبسطت، وقالت للوصائف: خذن بيد سيدكنّ وبعل مولاتكنّ، فأجلسنه على الأنطاع، ففعلن به ذلك، ثم كشفت له عن شعرتها، فرأى شعرها قد طال حتى عقدته من وراء ظهرها، فقالت له: يا جذيمة أشوار ذات عروس؟ قال: بل شوار بظراء تفلة، وأمر غدر قد بلغ المدى، فقالت: والله ما ذاك من عدم المواس، ولكنها شيمة أناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت