فهرس الكتاب

الصفحة 1024 من 1453

وورد قيس بن عاصم المنقريّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: بعض الأنصار عن وأده البنات، فقال قيس: ما ولدت لي بنت إلا وأدتها، وما رحمت منهنّ إلا واحدة ولدتها أمها، وأنا في سفر، فدفعتها إلى أخوالها، وقدمت فسألت عن الحمل، فأخبرت أنها ولدت ميتا. ومضت سنون، حتى ترعرعت، فزارت أمها ذات يوم، فدخلت فرأيتها قد ضفرت شعرها، وجعلت في قرونها شيئا من الخلوق، ونظّمت عليها ودعا، وألبستها

قلادة، وجعلت في عنقها مخنقة، فقلت: من هذه الصبيّة فقد أعجبني حسنها؟ فبكت ثم قالت: هذه ابنتك، كنت خبّرتك أنّي ولدت ميتا، وهذه التي ولدت، فجعلتها عند خالها، وبلغت لهذا المبلغ. فأمسكت عنها حتى اشتغلت أمها، ثم أخرجتها يوما، فحفرت حفرة فجعلتها فيها، وهي تقول: يا أبت أتغطّيني بالتراب! حتى واريتها وانقطع صوتها، فما رحمت واحدة منهنّ ممن وأدت غيرها، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:

«إنّ من لا يرحم لا يرحم» [1] .

وذكر أن قيسا وأد بيده بضع عشرة ابنة، وكان السبب في وأد البنات أن المشمرج اليشكريّ أغار على قوم قيس، فسبا نساء فيهنّ ابنته وابنة أخيه، فدخل قيس إليهم فسألهم أن يهبوهما له، فوجد المشمرج قد اصطفاهما لنفسه، فسأله إياهما، فقال: قد جعلت أمرهما إليهما، فإن اختار تاك فخذهما، فاختارتا المشمرج، فانصرف فوأد كلّ ابنة له خوفا من الفضيحة، فاقتدت به العرب في ذلك.

قال الهيثم: إن الوأد كان مستعملا في قبائل العرب قاطبة، كان يستعمله واحد ويتركه عشرة، فجاء الإسلام، وقد قلّ إلا في تميم.

وقيل: كان الوأد في تميم وقيس وبكر وهوازن وأسد، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» [2] ، فأجدبوا سبع سنين حتى أكلوا الوبر بالدم، ولهذا جاء تحريم الدم، وهذا خبر بيّن أنّ الوأد كان للحاجة لا للأنفة، وبه نزل القرآن، قال الله تعالى: {وَلََا تَقْتُلُوا أَوْلََادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلََاقٍ} [الإسراء: 31] ، وقال: {وَلََا يَقْتُلْنَ أَوْلََادَهُنَّ} [الممتحنة: 12] .

ومن ذكر أنه كان أنفة وأنه كان في تميم، ومن جاورهم فيحتج بحديث أبي عبيدة، أن تميما منعت النعمان الإتاوة، فوجّه إليهم أخاه الريان، وجل من معه من بكر بن وائل، فاستاق النّعم وسبى الذّراري. وفي ذلك يقول المشمرج اليشكريّ: [البسيط]

لمّا رأوا راية النعمان مقبلة ... قالوا ألا ليت أدنى دارنا عدن

يا ليت أمّ تميم لم تكن عرفت ... مرّا وكانت كمن أودى به الزّمن

وقال النعمان في جوابه: [البسيط]

لله بكر غداة الرّوع لو بهم ... يرمى ذرا حضن زالت بهم حضن

(1) أخرجه البخاري في الأدب باب 18، 27، ومسلم في الفضائل حديث 65، وأبو داود في الأدب باب 145، والترمذي في البر باب 12، وأحمد في المسند 2/ 228، 241، 269، 514.

(2) أخرجه البخاري في الأذان باب 128، والاستقاء باب 2، والجهاد باب 98، والأنبياء باب 19وتفسير سورة 3باب 9، وسورة 4باب 21، والأدب باب 110، والإكراه في المقدمة، ومسلم في المساجد حديث 294، 295، وأبو داود في الصلاة باب 216، والوتر باب 10، والنسائي في التطبيق باب 27، وابن ماجه في الإقامة باب 145، وأحمد في المسند 2/ 239، 255، 271، 418، 470، 502، 521.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت