فهرس الكتاب

الصفحة 1130 من 1453

وكان المنصور يرقّصها ويقول: يا زبيدة أنت زبيدة! فغلب ذلك على اسمها، وكانت أموالها لا تحصى، وأنفقت في سبيل الله وفي الحج وفي بناء المساجد والقناطر ما لم ينفقه أحد قبلها فمن ذلك ما أنفقت في حفرها للعين المعروفة بعين المشاش بالحجاز، فإنّها حفرتها، ومهّدت الطريق لها في كلّ رفع وخفض، حتى أجرتها من مسافة اثني عشر ميلا، فأحصى ما أنفقت فيها فوجد ألف ألف وسبعمائة ألف دينار، دون ما كان في وقت الشغل بها في البذل، وما عمّ أهل الفاقة، ولها في طريق مكة من العراق آثار

كثيرة في مصانع حفرتها، وبرك أحدثتها، تنزل وفود الحج عليها، فلا تجد ماء إلى فيها، فيشربون ويسقون إبلهم، ويتزوّدون وهم في الكثرة أعداد لا يحصيهم إلا خالقهم، والكل داعون لزبيدة إلى زماننا هذا.

وأما آثارها الملوكية، فإنّها أوّل من اتّخذت الآلات من الذهب والفضة المكلّلة بالجوهر. وبلغ ثوب وشى اتّخذ للباسها خمسين ألف دينار.

وهي أول من اتخذ القباب من الفضة والأبنوس، وكلاليبها من الذهب، ملبسة بالوشي والديباج، وأنواع الحرير الملوّن، وهي أوّل من اتخذ الخفاف المرصّعة بالجوهر، وشماع العنبر. ولما أفضي الأمر إلى ابنها الأمين رفع منازل الخدم ككوثر وغيره، فلمّا رأت حبّه فيهم اتخذت له الجواري المقدودات الحسان الوجوه، وعمّمت رؤوسهنّ، وجعلت لهن الطّرر والأصداغ والأقفية، وألبستهن الأقبية والقراطق والمناطق، فبالت قدودهنّ، وبرزت خصورهن، وبعثت بهنّ إليه، فاستحسنهنّ وأبرزهنّ للناس، فسمّوهنّ الغلاميات.

وأخبارها كثيرة، وعندما قتل الأمين دخل عليها بعض خدمها، فقال لها: ما يجلسك وقد قتل أمير المؤمنين؟ فقالت: ويلك وما أصنع؟ قال: تخرجين وتأخذين بدمه، كما خرجت عائشة تطلب بدم عثمان، فقالت: اخسأ لا أمّ لك! ما للنساء وطلب الدماء! ثمّ أمرت بثيابها فسوّدت ودعت بدواة، فكتبت إلى المأمون: [الطويل]

أخير إمام قام من خير عنصر ... وأفضل راق فوق أعواد منبر

ووارث علم الأوّلين وفخرهم ... إلى الملك المأمون من أمّ جعفر

كتبت وعيني تستهلّ دموعها ... إليك ابن عمي من جفوني ومحجري

أصبت بأدنى الناس منك قرابة ... ومن زال عن عيني فقلّ تصبّري

أتى طاهر، لا طهّر الله طاهرا، ... فما طاهر في فعله بمطهّر

فأبرزني مكشوفة الوجه حاسرا ... وأنهب أموالي وحرّق أدؤري

يعزّ على هارون ما قد لقيته ... وما نالني من ناقص الخلق أعور

تذكّر أمير المؤمنين قرابتي ... فديتك من ذي قربة متذكّر

فإن كان ما أبدى لأمر أمرته ... صبرت لأمر من قدير مقدّر

وإن كان ما قد كان منه تعدّيا ... عليّ أمير المؤمنين فغيّر

فلمّا قرأها المأمون، بكى بكاء شديدا، ثم قال: إنّي لأقول كما قال عليّ أمير المؤمنين حين بلغه قتل عثمان رضي الله عنهما: والله ما أمرت، ولا رضيت، اللهمّ جلّل قلب طاهر حزنا.

قال إبراهيم الحربي: رأيتها في المنام، فقلت لها: ما فعل الله بك؟ فقالت: غفر

لي، فقلت: بما أنفقت في طريق مكة؟ فقالت: أما النفقات فرجعت أجورها إلى أربابها، وغفر لي بنيّتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت