أبيت إلا مكافأة لنا! فقلت: والله يا أمير المؤمنين ما ذهبت إلى ذلك، ولكن ظننت أن أمير المؤمنين قد تشاغل عني بلذّته، وأغفل أمري، وجاء الشيطان، فذكّرني أمر تلك الملعونة، فبادرت قال: فما كان منك؟ قلت: قضيت الحاجة منها، قال: فقد انقضى ما كان بقلبك منها، وواحدة بواحدة، والبادي أظلم. قلت: بل أنا أظلم، وإليك المعذرة، قال: لا تثريب عليك، فهل لنا في مثل حالنا أمس؟ قلت: إي والله، فقمنا إلى موضعنا إلى الوقت، فقال: يا إسحاق ما عزمك؟ قلت: لا عذر لي، قال: فعزمت عليك لنجلس حتى أجيء، فإني عازم على الصّبوح، وقد نغّصت عليّ منذ يومين، قلت: فالليلة إن شاء الله، فما هو إلا أن غاب وجالت وساوسي، فلمّا تذكّرت ما كنت فيه البارحة هان عليّ ما يلحقني من سخطه فوثبت مبادرا، فوثب إليّ جند الدار، وحبست، فقلت: الله الله! إني معلّق البال ببعض ما في منزلي، فقالوا: ما إلى تركك من سبيل، فلم أزل أرغّب هذا وأقبّل يد هذا، ووهبت خاتمي لهذا، وردائي لهذا، وخرجت أعد وحاسرا حتى وافيت الزّبيل، فقعدت فيه، فرفعت إلى موضعي، وأقبلت، فقالت: صديقنا! قلت: إي والله، قالت: أجعلتها دار مقام؟ فقلت: جعلت فداك! حتى الضيافة ثلاث، فإن رجعت فأنتم في حلّ من دمي. قالت: والله لقد أتيت بحجّة، ثم جلسنا في مثل تلك الحال، فلمّا قرب الوقت علمت أن المأمون لا بدّ أن يسألني، ولا يقنع مني إلا بشرح القصّة، فقلت لها: أراك ممّن يعجب بالغناء، ولي ابن عمّ أحسن منّي وجها، وأظرف قدّا، وأكثر أدبا، وأنا حسنة من حسناته، وهو أعرف خلق الله بغناء إسحاق الموصلي، قالت: طفيليّ وتقترح؟ قلت لها: أنت المحكمّة، قالت: إن كان ابن عمك على ما تصف فما نكره معرفته، ثم جاء الوقت فنهضت فلم أصل إلى داري إلّا ورسل المأمون قد هجموا عليّ، وحملوني حملا عنيفا، فوجدته على كرسيّ وهو مغتاظ، فقال: يا إسحاق أخروجا عن الطاعة! قلت: لا والله قال: فما قصّتك وما هذا الانحراف؟ فأصدقني، قلت: في خلوة، فأومأ إلى من بين يديه فتنحّوا فحدثته الحديث وقلت له: قد وعدتها في أمرك، قال: قد أحسنت، ولولا ذلك لنكّلت بك، فقلت: قد سلّم الله، فأخذنا في لذتنا في ذلك اليوم، وهو لا يسمع مني غير حديثها، فلم يتمّ النهار إلا والمأمون معلّق القلب، فلما جاء
الوقت سرنا وأنا أوصيه وأقول: تجنّب أن تظهرني بحضرتها، ودعني من نخوة الملك، وكن لي تبعا، وهو يقول: نعم ويلك! وإن قالت: غنّ كيف أصنع؟ قلت: أنا أدفعها عنك.
ثم سرنا إلى زبيلين فقعدنا فيهما، فرفعنا إلى الموضع، فأقبلت فسلّمت، فما تمالك إذ رآها أن بهت في حسنها، وقالت لي: والله ما أنصفت ابن عمك إذ لم ترفع منزلته، وكان قد قعد دوني، فقالت: ارتفع فديتك، أنت جديد، وهذا قد صار من أهل البيت، فنهض إلى صدر البيت، وأقبلت تذاكره وتناشده وتمازحه، وهو يظهر عليها في كل فن.
ثم أحضر النّبيذ فشربنا، وهي مقبلة عليه ومسرورة به، وهو أكثر، وأخذت العود فغنّت صوتا، وقالت: وابن عمك هذا من التجار؟ قلت: نعم، قالت: إنّكما لغريبان. فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال داخله الفرح والطرب، ثم رأيته ينظر إليّ نظر الأسد إلى فريسته، فصاح: يا إسحاق، فنهضت وقلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: غنّ هذا الصوت، فلمّا علمت أنه الخليفة نهضت إلى كلّة مضروبة، فدخلتها، فلما فرغت من الصوت، قال: انظر من ربّ هذه الدار؟ فسألت عجوزا، فقالت: هو الحسن بن سهل، فقال عليّ به، فغابت العجوز ساعة وإذا الحسن قد حضر، فقال له: ألك ابنة؟ قال:
نعم بوران، قال: فزوّجتها! قال: لا والله، قال: فأني أخطبها إليك، قال: هي أمتك، وأمرها إليك، قال: قد تزوّجتها على نقد ثلاثين ألفا نحملها إليك صبيحة يومنا، فإذا قبضت المال فاحملها إلينا، قال: نعم، ثم خرجنا.
فقال: يا إسحاق لا يقف على ما وقفت عليه أحد، فسترت الحديث إلى أن مات المأمون: فما اجتمع لأحد ما اجتمع لي في تلك الأربعة الأيام مجالسة المأمون بالنهار، ومجالسة بوران بالليل، وو الله ما رأيت أحدا من الرجال في ملوكهم مثل المأمون، ولا شاهدت امرأة تقارب بوران فهما وعقلا، وما أظن أحدا وقف من العلوم على ما وقفت عليه.
وفي المسعودي: انحدر المأمون إلى فم الصّلح في شعبان سنة تسع ومائتين، وأملك بخديجة بنت الحسن بن سهل، ونثر الحسن في ذلك الإملاك ما لم ينثره قطّ ملك في جاهلية ولا إسلام، نثر على الهاشميين والقواد والكتّاب بنادق مسك، فيها رقاع بأسماء ضياع، وجوار وأسماء ديار ودوابّ وغير ذلك، فإذا وقعت البندقة بيد الرجل، فتحها فيجدها على قدر سعده، ثم ينثر بعد ذلك الدنانير والدراهم ونوافج المسك على عامة الناس، وأنفق على المأمون وعلى جميع قواده، فلما أراد المأمون الانصراف إلى مدينة السلام قال له: يا أبا محمد، سل حوائجك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، أسألك أن تحفظ عليّ مكاني من قبلك، فأمر المأمون أن يحمل له خراج فارس والأهواز لسنة.
وذكر الحريريّ في الدّرة أن المأمون لمّا بنى على بوران، فرش له حصير منسوج
بالذهب ما مسّه أحد، وعليه در منثور، فوجّه الحسن إلى المأمون أن هذا نثار يجب أن يلتقط، فقال المأمون لمن حوله من بنات الخلفاء: شرّفن أبا محمد، فمدّت كل واحدة منهنّ يدها، فأخذت درّة وبقي باقي الدرّ يلوح على الحصير المذهب، فقال: قاتل الله أبا نواس، لقد شبّه بشيء ما رآه قط، فأحسن، في وصف الخمرة والحباب الذي فوقها فقال! [البسيط]