فهرس الكتاب

الصفحة 1148 من 1453

أبعد الخيل أركبها كراما ... وبعد الفره من من حضر البغال

رزقت بغيلة فيها وكال ... وليته لم يكن غير الوكال

رأيت عيوبها كثرت وغالت ... وإن أكثرت ثمّ من المقال

ليحصي منطقي وكلام غيري ... عشير خصالها، شرّ الخصال

فأهون عيبها أنّي إذا ما ... نزلت وقلت: أمشي لا تبالي

تقوم فما تبتّ هناك شبرا ... وترمحني وتأخذ في قتالي

وحين ركبتها آذيت نفسي ... بضرب باليمين وبالشّمال

وبالرّجلين أركضها جمعا ... فيالك في الشقاء وفي الكلال

أتاني خائب يستام منيّ ... عريق في الخسارة والضّلال

وقال تبيعها؟ قلت ارتبطها ... بحكمك إنّ بيعي غير غال

فأقبل ضاحكا نحوي سرورا ... وقال أراك سهلا ذا جمال

هلمّ إليّ يخلو بي خداعا ... وما يدري الشّقيّ بمن يخالي

فقلت بأربعين فقال أحسن ... إليّ فإن مثلك ذو سجال

فأترك خمسة منها لعلمي ... بما فيه يصير من الخبال

فلمّا ابتاعها مني وبتّت ... له في البيع غير المستقال

أخذت بثوبه وبرئت ممّا ... أعدّ عليه من سوء الخلال

برئت إليك من مشش قديم ... ومن جرد ومن بلل المخالي

ومن فتق بها في البطن ضخم ... ومن عقالها ومن انفتال

ومن قطع اللسان ومن بياض ... بعينيها ومن قرض الحبال

ومن عضّ الغلام ومن خراط ... إذا ما همّ صحبك بارتحال

وأقطى من فريخ الذّر مشيا ... بها عرن وداء من سلال

وتكسر سراجها أبدا شماسا ... وتقمص للإكاف على اغتيال

ويدبر ظهرها من مسّ كف ... وتهزم في الجمام وفي الجلال

تظلّ لركية منها وقيذا ... يخاف عليك من ورم الطّحال

ومثفار تقدّم كلّ سرج ... تصيّر دفيه على القذال

وتحفى لو تسير على الحشايا ... ولو تمشي على دمث الرّمال

إذا استعجلتها عثرت وبالت ... وقامت ساعة عند المبال

وتضرط أربعين إذا وقفنا ... على أهل المجالس للسّؤال

فتقطع منطقي وتحول بيني ... وبين حديثهم فيما توالي

وتذعر للدّجاجة إذ تراها ... وتنفر للصّفير، وللخيال

فأمّا الاعتلاف فأذن منها ... من الأتبان أمثال الجبال

وأما القتّ فأت بألف وقر ... بأعظم حمل أحمال الجمال

فلست بعالف منها ثلاثا ... وعندك منه عود للخلال

وإن عطشت فأوردها دجيلا ... وإذا أوردت أو نهري بلال

فذاك لريّها سقيت حميما ... وإن مدّ الفرات فللنّهال

وكانت قارحا أيّام كسرى ... وتذكر تبّعا عند الفعال

وقد دبرت ونعمان صبيّ ... وقبل فصاله تلك الليالي

وتذكر إذ نشا بهرام جور ... وعامله على خرج الجوالي

وقد مرّت بقرن بعد قرن ... وآخر عهدها لهلاك مالي

فأبدلني بها يا ربّ طرفا ... يزين جمال مشيته جمالي

وأنشدها المهدي: فقال: لقد أقلت من بلاء عظيم، فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد مكثت شهرا أتوقع صاحبها أن يردّها، فقال المهديّ لصاحب دوابه: خيّره بين مركبين في الإصطبل، فقال: إن كان الاختيار إليّ فقد وقعت في شرّ من البغلة، ولكن مره يختر لي، ففعل.

وفي القصيدة ألفاظ من الغريب أبينها، فمنها يقال: واكلت الدابة وكالا: أساءت السير. ورمحت ترمح: ضربت برجليها والمشش: داء في قوائمها. والجرد استرخاء العصب، والعقّال: أن تنقبض القوائم ولا تنبعث، والخراط: الجماح، والعرن: حكة وشقاق في القوائم، وقد عرن عرنا، وقمص يقمص ويقمص قمصا وقماصا: رفع يديه معا وطرحهما معا، وعجن بيديه، وقطا بقطو: قارب الخطو.

وكان لأبي دلامة برذون أعجف محطم هرم، فدخل على المهدي يوما وبين يديه سلمة الوصيف، فقال: يا أمير المؤمنين، إني جلبت لبابك مهرا ليس لأحد مثله، وأحببت أن أهديه لك، فإن أحببت أن تشرّفني بقبوله! فأمر بإدخاله، فخرج وأدخل برذونه، فقال له المهدي: أيّ شيء هذا ويلك! ألم تزعم أنه مهر، فقال له أبو دلامة: أو ليس هذا سلمة الوصيف قائم بين يديك تسميه الوصيف وله ثمانون سنة! فإن كان سلمة وصيفا فهذا مهر، فجعل المهديّ يضحك وسلمة يشتمه، فقال له المهديّ: ويلك! إن لهذه أخوات، والله ليضحكنّ بك في المحافل، فقال: والله يا أمير المؤمنين لأفضحنه، فليس في مواليك أحد إلا وقد وصلني غيره، فما شربت الماء له قطّ فحكم عليه المهديّ أن يشتري نفسه بثلاثة آلاف درهم، فقال له سلمة، على ألا تعاود، فقال أبو دلامة:

أفعل، فحملها إليه.

ومما ينتظم بهذا النّمط أن محمد بن عبيد الله بن خاقان حمل أبا العيناء على فرس، فكتب إلى أبيه: أعلم الأمير أعزه الله أن أبا محمد أراد أن يبرّني فعقّني، وأن يركبني فأرجلني، وأمر لي بدابة تقف للنّبرة، وتعثر بالبعرة، كالقضيب اليابس عجفاء، وكالمهجور البائس دنفاء، قد أذكر الرواة عروة العذريّ والمجنون العامريّ، مباعدا أعلاه لأسفله، حباقه مقرون بسعاله، فلو أمسك لترجيّت، ولو أفرد لتعزيت، ولكنه يجمعها في الطريق المعمور، والمجلس المشهور، كأنه خطيب مرشد، أو شاعر منشد، يضحك من فعله النّسوان، ويتناعى من أجله الصبيان، فمن صائح يصيح: داوه بالطباشير، ومن قائل

يقول: نقّ له الشعير، قد حفظ الأخبار وروى الأشعار، ولحق العلماء في الأمصار، فلو أعين بنطق لروى بحق وصدق، عن جابر الجعفيّ وعامر الشعبي، ولم أوت من أمر الأمير أعزه الله وإنما أتيت من كاتبه الأعور الذي إذا اختار لنفسه أصاب وأكثر، وإذا اختار لغيره أخبث وأنزر، فإن رأى الأمير أن يبدلني ويريحني بمركوب يضحكني كما أضحك منّي، يمحو بحسنه وفراهته، ما سّطره العيب بقبحه ودناءته، ولست أذكر سرجه ولجامه، لأن الأمير أكرم من أن يسلب ما يهديه، وينقص ما يمضيه. فوجّه إليه ببرذون بسرجه ولجامه، ثم اجتمع بابنه محمد عنده، فقال له عبيد الله: شكوت دابة محمد، وقد أخبرني أنه يشتريه الآن منك بمائة دينار، وهذا ثمنه لا يؤخّر عنك، فقال: أعز الله الوزير! لو لم أكذب مستزيدا، لم أذهب مستفيدا، وإني وإياه لكما قالت امرأة العزيز:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت