فهرس الكتاب

الصفحة 1260 من 1453

هاتها، قلت: وعدتني أن تجعل جائزتي عشر صفعات وأسألك أن تضعفها لي وتضيف إليها عشر صفعات أخرى. فأراد أن يضحك ثم تماسك، قال: نفعل يا غلام خذ بيده ثم مددت قفاي فصفعت بالجراب صفعة، فكأنّما سقطت على قفاي قطعة من جبل، وإذا هو مملوء حصا مدوّرا فصفعت عشرا، فكادت أن تنفصل رقبتي، وطنّت أذناي وانقدح الشّعاع من عيني، فصحت يا سيّدي، نصيحة، فرفع الصّفع بعد أن عزم على العشرين، فقال: قل نصيحتك، فقلت: يا سيّدي إنّه ليس في الديانة أحسن من الأمانة، وأقبح من الخيانة، وقد ضمنت للخادم الذي أدخلني نصف الجائزة على قلّها وكثرها، وأمير المؤمنين بفضله وكرمه قد أضعفها وقد استوفيت نصفي، وبقي نصفه. فضحك حتى استلقى، واستفزّه ما كان سمع، فتحامل له، فما زال يضرب بيديه الأرض ويفحص برجليه ويمسك بمراقّ بطنه، حتى إذا سكن قال: عليّ به، فأتي به، وأمر بصفعه، وكان طويلا، فقال: وايش جنايتي؟ فقلت له: هذه جائزتي وأنت شريكي فيها، وقد استوفيت

نصيبي منها، وبقي نصيبك، فلما أخذه الصّفع وطرق قفاه الوقع، أقبلت ألومه وأقول له:

قلت لك إني ضعيف معيل، وشكوت إليك الحاجة والمسكنة، وأقول لك خذ ربعها أو سدسها، وأنت تقول: لا آخذ إلا نصفها، ولو علمت أن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه جائزته الصفع وهبتها لك كلّها. فعاد إلى الضحك من عتابي للخادم، فلما استوفى نصيبه أخرج صرّة فيها خمسمائة درهم، وقال: هذه كنت أعددتها لك فلم يدعك فضولك حتى أحضرت شريكا لك، فقلت: وأين الأمانة؟ فقسمها بيننا وانصرفت.

* * * فقال الحكم: اللهمّ غفرا، وجعل يقلّب النّعل بطنا وظهرا ثم قال: أمّا هذه النّعل فنعلي وامّا مطيّتك ففي رحلي، فانهض لتسلّم ناقتك، وافعل الخير بحسب طاقتك، فقمت وقلت: [الرجز]

أقسم بالبيت العتيق ذي الحرم

والطائفين العاكفين في الحرم

إنّك نعم من إليه يحتكم

وخير قاض في الأعاريب حكم

فاسلم ودم دوم النّعام والنّعم

فأجاب من غير رويّة، ولا عقد نيّة، وقال: [الرجز]

جزيت عن شكرك خيرا يا بن عمّ

إذ لست أستوجب شكرا يلتزم

شرّ الأنام من إذا استقضي ظلم

ثمّ من استرعي فلم يرع الحرم

فذان والكلب سواء في القيم

ثم إنّه نفّذ بين يديّ، من سلّم النّاقة إليّ، ولم يمتنّ عليّ، فرحت نجيح الأرب، أجرّ ذيل الطّرب، وأقول يا للعجب!

* * * قوله: اللهم غفرا، أي اغفر غفرا، والغفر: السّتر والتغطية. انهض: تقدّم لتسلّم:

لقبض العتيق: القديم. الحرم: جمع حرمة. والعاكفين: المقيمين فيه للعبادة، والعكوف: الإقامة، والحرم حرم مكة. اسلم: دعاء، معناه سلّمك الله والنّعام: طير معروف. الأعاريب: الأعراب وهم سكان البادية. والنّعم: جمع نعمة، والدّوم والدوام

واحد. رويّة، أي فكرة. عقد نيّة: أي تدبير. استرعي: جعل راعيا، أي حكما على الناس. يرعى: يحفظ فذان، أي فهذان القيم: جمع قيمة. يمتنّ: يعتدّها منّة، وامتنّ فلان عليك، إذا فعل معك معروفا فمتى أنكر عليك شيئا ذكر لك معروفه وجبهّك به، وقالت الحكماء: أحي المعروف بإماتة ذكره، وعظّمه بالتصغير له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت