فهرس الكتاب

الصفحة 1329 من 1453

وقد جاء من ذلك في الشّعر ما يستحسن، قال ابن أبي فنن: أحسن ما قيل فيه قول العباس بن الأحنف: [البسيط]

ما أنس ما أنس يمناها معطّفة ... على فؤادي ويسراها على راسي [1]

وقولها: ليته ثوب على جسدي ... وليتني كنت سربالا لعباس

أو ليته كان لي خمرا وكنت له ... من ماء مزن فكنا الدّهر في كاس

قال الحاتمي: وأحسن دعبل كل الإحسان في قوله: [البسيط]

الله يعلم والأيام دائرة ... والمرء ما بين إيحاش وإيناس [2]

أني أحبّك حبّا لو تضمّنه ... سلمى سميّك دكّ الشاهق الرّاسي

حبّا تلبّس بالأحشاء وامتزجا ... تمازج الماء بالصّهباء في الكاس

وقال البحتري فأحسن: [البسيط]

تهتزّ مثل اهتزاز الغصن حرّكه ... مرور غيث من الوسميّ سحّاح [3]

إني وجدتك من قلبي بمنزلة ... هي المصافاة بين الماء والرّاح.

* * * وطفق القاضي بعد مسرحهما، وتنائى شبحهما، يثني على أدبهما. ويقول: هل من عارف بهما؟ فقال له عين أعوانه، وخالصة خلصانه: أما الشيخ فالسّروجيّ المشهود بفضلة، وأمّا المرأة فقعيدة رحله، وأمّا تحاكمهما فمكيدة من فعله، وأحبولة من حبائل ختله، فأحفظ القاضي ما سمع، وتلهب كيف خدع، ثم قال للواشي بها: قم فردّهما، ثم اقصدهما وصدهما، فنهض ينفض مذرويه، ثم عاد يضرب أصدريه، فقال له القاضي:

أظهرنا على ما نبثت، ولا تخف عنّا ما استخبثت، فقال: وما زلت أستقري الطرق، وأستفتح الغلق، إلى أن أدركتهما مصحرين، وقد زمّا مطيّ البين، فرغّبتهما في العلل، وكلفت لهما بنيل الأمل، فأشرب قلب الشيخ أن ييأس، وقال: الفرار بقراب أكيس، وقالت هي: بل العود أحمد، والفروقة يكمد.

* * * قوله: طفق، أي جعل. مسرحهما: انصرافهما. تنائى شبحهما: بعد شخصهما، وعين الأعوان: مقدّمهم. والخلصان: الأحباب وخالصة: خيار، فكأنه خيار خيارهم.

قعيدة رحله: زوجته وصاحبة بيته. مكيدة: مكر أحبولة: شبكة. ختله: خداعه. أحفظ:

(1) الأبيات في ديوان العباس بن الأحنف ص 156.

(2) الأبيات في ديوان دعبل بن علي الخزاعي ص 94.

(3) البيتان في ديوان البحتري ص 442.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت