أنا أبو خالد إمام الجامع، فقلت: ما هذه الحلية؟ قال: ورد رجل زنديق يقرأ السبع الطوال، ويشتم أبا بكر الصّناديقي وعمر القواريريّ وعثمان بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي غسّان الذي هو من حملة العرش، وزوّجه النبي ابنته عائشة في زمن الحجّاج بن يوسف، فاستولدها الحسن والحسين، فقلت: ما أعرفك بالمقالة والأنساب! قال: وما خفي عنك أكثر، قلت: أتحفظ القرآن؟ قال: نعم، قلت: فاقرأ شيئا منه، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم {وَإِذْ قََالَ لُقْمََانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ} {يََا بُنَيَّ لََا تَقْصُصْ رُؤْيََاكَ عَلى ََ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} {وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكََافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [يوسف: 5] ، فصفعته صفعة سقطت عمامته، وبقي التحنّك في عنقه، فصاح بالناس: قلنسوتي! وقال: احملوه إلى المحتسب، فأوصلوني إلى رجل حاسر حاف، قد لبس درّاعة بلا سراويل، فقال: ما
صنع هذا؟ قالوا: صفع إمام الجامع، قال: يا مسكين، أهلكت نفسك، قلت: هذا حكم الله فصبرا عليه؟ قال: أيّما أحبّ إليك سمل عينيك، أو قطع يديك، أو تدفع نصف درهم؟ قال: فرفعت يدي وصفعت المحتسب صفعة، ثم أخرجت الدرهم من فمي وقلت: يا سيدي خذ نصف درهم لك، ونصف درهم لإمامك.
وقال فيهم بعض الشعراء: [البسيط]
لأنهم أهل حمص لا عقول لهم ... بهائم غير معدودين في النّاس
ونزلها في القديم أهل اليمن، ولم يكن فيها من مصر إلا ثلاثة أبيات، وكان لهم إمام من مصر، فغضبوا عليه وعزلوه، فقال فيهم ديك الجن يهجوهم: [الكامل]
سمعوا الصلاة على النبيّ توالى ... فتفرّقوا شيعا وقالوا: لا، لا [1]
ثم استمرّ على الصّلاة إمامهم ... فتحزّبوا ورمى الرّجال رجالا
يا أهل حمص توقّعوا من عارها ... خزيا يحلّ عليكم ووبالا
شاهت وجوهكم وجوها طالما ... رغمت معاطسها وساءت حالا
* * * قوله: أصطاف، أي أسكن في الصّيف. وأسبر: وأختبر، والرّقاعة تجاوز الحدّ في الوقاحة وصلابة الوجه. والبقعة: القطعة من الأرض، وكذلك الرقعة. وانقضّ النجم للرجم، إذا استطار لرجم الشياطين، وأراد أنه أسرع إليها بسرعة الخيل كسرعة النجم المنقضّ، قال خلف الأحمر: [الكامل]
كالكوكب الدّريّ مبتهلا ... سيرا يفوت الطرف أسرعه
وكأنما جهدت أليّته ... ألّا تمس الأرض أربعه
وقال ابن الرومي: [البسيط]
خذها تبوعا لمن أولى مسوّمة ... كأنها كوكب في إثر عفريت [2]
وما أحسن قول ابن المعتز في هذا المعنى:
كأنما النجم والعفريت مسترقا ... للسمع ينقضّ يلقي خلفه لهبه
كفارس حلّ من عجب عمامته ... فرّدها كلّها من خلفه عذبه
قوله: خيّمت أي أقمت، وأصله ضربت خيمة. رسومها: آثارها. روح نسيمها:
لذة ريحها: لمح طرفي: أبصرت عيني. هريره: صياحه، وقد هرّ الكلب هريرا، إذا نبح
(1) الأبيات في ديوان ديك الجن الحمصي ص 110.
(2) البيت في ديوان ابن الرومي 1/ 379.