أعدد لحسّادك حدّ السّلاح ... وأورد الآمل ورد السّماح
وصارم اللهو ووصل المها ... وأعمل الكوم وسمر الرّماح
واسع لإدراك محلّ سما ... عماده لا لادّراع المراح
والله ما السؤدد حسو الطّلا ... ولا مراد الحمد رؤد رداح
واها لحرّ واسع صدره ... وهمّه ما سرّ أهل الصّلاح
مورده حلو لسؤّاله ... وما له ما سألوه مطاح
ما أسمع الآمل ردا ولا ... ما طله والمطل لؤم صراح
ولا أطاع اللهو لمّا دعا ... ولا كسا راحا له كأس راح
سوّده إصلاحه سرّه ... وردعه أهواءه والطّماح
وحصّل المدح له علمه ... ما مهر العور مهور الصّحاح
* * * أورد الآمل، أي أعط الراجي. ورد السماح: ماء الكرم. صارم: قاطع. المها:
جمع مهاة وهي البقرة الوحشية، وأراد النساء. الكوم: جمع كوماء، وهي الناقة العظيمة السنام. اسع: اجر مسرعا. محلّ سما: منزل ارتفع. والعماد: قائمة الخباء وإذا علت علا البيت. ادّراع: لبس الدّروع. والمراح: الطرب والنشاط، كأنه يقول: لا تشتغل باللهو واشتغل بكسب الشرف. حسو الطّلا: شرب الخمر. السّودد: الفعل الذي يرجع به فاعله سيّدا. مراد، بفتح الميم: مذهب وطريق، وأصله موضع اختلاف الإبل مقبلة ومدبرة وهو المرعى. رود: جارية ناعمة شابة. والرّداح: العظيمة العجز، وهو كما قال أبو نواس: [الوافر]
لئن خلق الأنام لحب كأس ... ومزمار وطنبور وعود
فلم يخلق بنو حمدان إلّا ... لبأس أو لمجد أو لجود
واها: عجبا. ما: بمعنى الذي. مطاح: هالك بالعطاء. صراح: ظاهر. راحا:
كفّا. راح الثاني: خمر. سؤدده: شرفه، وجعله سيّدا. سرّه: باطنه. ردعه: كفه.
أهواءه: شهواته. والطماح: ارتفاع النظر. العور: جمع عوراء وهي الفاقدة إحدى عينيها. مهور: جمع مهر، وهو الصداق، وأعمل علمه فيما بعده من الكلام، وضرب العور والصحاح مثلا للأفعال الجميلة والذميمة، فأراد أن تمييزه بين الأشياء المتضادة وعلمه أن مهر القبيحة العوراء لا يبلغ مهر المليحة الحسناء، جعل ممدوحا سيدا. ومثل هذا الشعر الذي لم ينقط ما أنشد أبو القاسم الزجاجي لأحمد بن الورد:
علم العدوّ ملامة اللوّام ... ودوام صدّك وهو صدّ حمام
لولاك ما حدر السهاد دموعه ... ولما أطار كراه حرّ أوام
هل ما أسرّ وما أؤمّل رادع ... هول الهموم وروعة الأحلام
ردّ السلام وما أراك مسلّما ... ورآك أهل هواك سرّ كلام
كم حاسد لك أو مسرّ وداده ... ومعلّل أهواه طول ملامي
وهي قصيدة نحو الثمانين بيتا وما زال المحدثون يظهرون اقتدارهم في هذا الفن، إلّا أنه قلّما يقع في ذلك بيت مستحسن، فلذلك تركنا أن نمشي مع أشعار هذه المقامة فيما يماثلها، وقد أكثر الناس القول في ذلك، وفائدته أن يقال: قدر على لزوم ما لا يلزم لا أن يقال: قد أحسن فيما قال، وقد أنشد أبو القاسم أيضا، أبياتا لا تنطبق عليها الشفاه، منها: [الطويل]
أتيناك يا جزل العطية إننا ... رأيناك أهلا للعطايا الجزائل
عقيل النّدى يا حار عدنا عقيلة ... نعدك انتجاعا للحسان العقائل
* * * فقال له: أحسنت يا بدير، يا رأس الدّير، ثمّ قال لتلوه، المشتبه بصنوه: ادن
يا نويرة، يا قمر الدّويرة، فدنا ولم يتباطا، حتّى حلّ منه مقعد المعاطى، فقال له: