وهذا الاستنطاق هو الذي ذهب بإبراهيم بن سيار النظّام، الّذي هو إمام في علم الكلام إلى علاقة غلام وذلك أنه لقي غلاما جميل الوجه، مقبول الصورة، فاستحسنه، وتصوّر فيه الصورة الباطنة المناسبة لخلقته الظاهرة، فقال له: يا غلام، إنه لولا ما سبق من قول الحكماء، لما جعلوا السبيل لمثلي إلى مثلك بقولهم: لا ينبغي لأحد أن يصغر عن أن يقول، ولا أن يكبر عن أن يقال له، لما أنست إلى مخاطبتك، ولا انشرح صدري إلى محادثتك، لكنّه سبب الإخاء وعقد المودّة، ومحلّك من قلبي محلّ الروح من جسد
الجبان، فقال له الغلام وهو لا يعرفه: لئن قلت ذلك أيّها الرجل، لقد قال أستاذنا إبراهيم بن سيار النظام: الطباع تجاذب ما شاكلها بالمجانسة، وتميل إلى ما قارنها بالموافقة، وكياني مائل إلى كيانك بكلّيتي ولو كان الذي انطوى عليه لك عرضا لم أعتدّ به ودّا، ولكنه جوهر جسمي، فبقاؤه ببقاء النفس، وعدمه بعدمها، وأقول كما قال الهذليّ:
فتبيّني أني بكم كلف ... ثم اصنعي ما شئت عن علم [1]
فقال له النظام: إنما كلّمتك بما سمعت، وأنت عندي حسن الصورة غلام، ولولا أنّ محلّك محلّ مقيم ما تعرّضت لك، ثم اعتلقه النظام بعد، وقال فيه جريا على علمه:
[الطويل]
توهّمه طرفي فآلم خدّه ... فصار مكان الوهم من نظري أثر [2]
وصافحه كفّي فآلم كفّه ... فمن لمس كفّي في أنامله عقر
ومرّ بفكري خاطرا فجرحته ... ولم أر خلقا قطّ يجرحه الفكر
وقال فيه أيضا: [الكامل]
وإذ تأمّل في الزّجاجة ظلّه ... جرحته لحظة مقلة الظّلّ
وقال فيه أيضا: [الرجز]
أفرغ من نور سماويّ ... مصوّر في جسم إنسيّ
وافتقر الحسن إلى حسنه ... فجلّ عن تحديد كيفيّ
وقال فيه: [مجزوء الكامل]
يا مشرقا ملأ العيو ... ن فلحظها ما يستقلّ
أوفى على شمس الضّحى ... حتى كأنّ الشمس ظلّ
أتريد قتلي عامدا ... ولقتل مثلي ما يحلّ
فصرّف في شعره من صناعته، وأبدع في تخيله ببراعته.
(1) يروى البيت:
فتعلّمي أن قد كلفت بكم ... ثم افعلي ما شئت عن علم
وهو لأبي صخر الهذلي في الإنصاف 1/ 205، وشرح أشعار الهذليين 2/ 975، وشرح المفصل 8/ 76.
(2) الأبيات في أمالي المرتضى 1/ 188.