فمرّا بطريقهما بشيخ يحدث ويأكل من خبز بيده، ويتناول القمل من ثيابه ويقصعه، فقال المتلمّس: ما رأيت شيخا كاليوم أحمق من هذا! فقال الشيخ: ما رأيت من حمقى! أخرج الداء، وآكل الدّواء، وأقتل الأعداء. ويروى: أقتل عدوّا، وأدخل طيّبا، وأخرج خبيثا، أحمق والله منّي من يحمل حتفه بيده.
فاستراب المتلمّس بقوله، وطلع عليهما غلام من أهل الحيرة من كتّاب العرب، فقال له المتلمّس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم، ففك الصحيفة فإذا فيها: فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيّا: فقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك، فإنّ فيها مثل هذا، فقال طرفة: كلا لم يكن ليجترىء عليّ وكان غرّا صغير السّنّ فقذف المتلمس بصحيفته في نهر الحيرة، وقال: [الطويل]
قذفت بها في الثّني من جنب كافر ... كذلك أقنو كل فظّ مضلّل [1]
رضيت لها بالماء لمّا رأيتها ... يجول بها التيّار في كل جدول
وأخذ نحو الشأم وقال: [الكامل]
ألقى الصحيفة كيف يخفّف رحله ... والزّاد حتى نعله ألقاها [2]
أراد: أنه تخفف للفرار، فألقى ما لا يثقل، وما لا بدّ للسفر منه.
وقال حين نجا: [الكامل]
من مبلغ الشّعراء عن أخويهم ... خبرا فتصدقهم بذاك الأنفس [3]
أودى الذي علق الصحيفة منهما ... ونجا حذار حبائه المتلمّس
(1) يروى البيت الأول:
وألقيتها في الثني من جنب كافر ... كذلك أقنو كلّ قطّ مضلّل
وهو في ديوان المتلمس ص 65، ولسان العرب (كفر) ، (قنا) ، وتهذيب اللغة 9/ 314، 317، والمخصص 11/ 74، وتاج العروس (كفر) ، (قنا) ، وكتاب الجيم 3/ 122، والبيت بلا نسبة في جمهرة اللغة ص 787، وكتاب العين 5/ 357.
(2) البيت للمتلمس في ملحق ديوانه ص 327، وشرح شواهد المغني 1/ 370، ولأبي (أو لابن) مروان النحوي في خزانة الأدب 3/ 21، 24، والدرر 4/ 113، وشرح التصريح 2/ 141، والكتاب 1/ 97، والمقاصد النحوية 4/ 134، ولمروان بن سعيد في معجم الأدباء 19/ 146، وبلا نسبة في أسرار العربية ص 269، وأوضح المسالك 3/ 365، والجنى الداني ص 547، 553، وخزانة الأدب 9/ 472، والدرر 6/ 140، وشرح أبيات سيبويه 1/ 411، وشرح عمدة الحافظ ص 614، ورصف المباني ص 182، وشرح الأشموني 2/ 289، وشرح قطر الندى ص 304، وشرح المفصل 8/ 19، ومغني اللبيب 1/ 24، وهمع الهوامع 2/ 24، 36.
(3) الأبيات في ديوان المتلمس ص 186، والبيت الثالث في لسان العرب (نقرس) ، (أبى) ، وتهذيب اللغة 9/ 395، وتاج العروس (نقرس) .