وأرجو ألّا أكون في هذا الهذر الذي أوردته، والمورد الذي تورّدته، كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفّه، فألحق بالأخسرين أعمالا الّذين ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا.
* * * قوله: «الهذر الذي أوردته» أي الإكثار الذي أتيت به، وقد تقدّم المورد وتوردّته:
اقتحمته. الباحث: المفتش، والظّلف: للبقر والغنم كالحافر للخيل والحمير. وهذا مثل للعرب وذلك أن ما عزة كانت لقوم، فأرادوا ذبحها فلم يجدوا شفرة، فنبشت بظلفها في الأرض، فاستخرجت منها شفرة، فذبحوها بها، وقالوا: بحثت عن حتفها بظلفها، فسارت مثلا. وقال الشاعر: [الطويل]
وكانت كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت الثّرى تستثيرها [1]
وقال أبو الأسود: [المتقارب]
فلا تك مثل التي استخرجت ... بأظلافها مدية أو بفيها [2]
فقام إليها بها ذابح ... ومن يدع يوما شعوبا يجيها
ولفظ المثل عند أبي عبيد «كالعنز تبحث عن المدية» والجادع: القاطع الأنف.
والمارن: طرف الأنف، وأراد به قصيرا مولى جذيمة الأبرش. وقد ذكرنا قصته في شرح الرابعة والعشرين. ورجا المصنف ألا يدّركه من الضرر ما أدركا من الضّرر حين جنيا على أنفسهما وانتفع غيرهما، ضلّ سعيهم: خابت أعمالهم، وأصل ضلّ، تحيّر فلم يدر أين يتوجّه، وأصل السعي المشي بسرعة، سمع أعرابيّ رجلا يقرأ {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمََالًا} [الكهف: 103] ، فقال: أنا أعرفهم، قيل له: ومن هم؟ قال: الذين يبرّدون ويأكل غيرهم.
* * * على أنّي وإن أغمض لي الفطن المتغابي، ونضح عنّي المحبّ المحابي، لا أكاد أخلص من غمر جاهل أو ذي غمر متجاهل، يضع منّي لهذا الوضع ويندّد بأنّه من مناهي الشّرع. ومن نقد الأشياء بعين المعقول، وأنعم النّظر في مبانّي الأصول، نظم هذه المقامات، في سلك الإفادات وسلكها مسلك الموصوعات، عن العجماوات والجمادات.
(1) البيت للفرزدق في ديوانه ص 71.
(2) البيتان في ديوان أبي الأسود الدؤلي ص 22.