إرم ذات العماد هي دمشق، يقال: إنه كان فيها أربعمائة ألف عمود. وقد تقدّم أيضا أن دمشق سمّيت باسم بانيها، وهو دماشق بن نمروذ بن كنعان، وقيل: بانيها دمشق بن عامر بن لمك بن أرفخشذ بن سام بن نوح.
قال اليعقوبيّ: جامع دمشق ليس في الإسلام أحسن منه، بناه الوليد بن عبد الملك في خلافته بالرّخام والذهب سنة ثمان وثمانين، مفروش بالرّخام الأبيض المختم بالأزرق، وسقفه لا خشب فيه، مذهّب كلّه، ومنائره ثلاث: واحدة في مؤخر المسجد، مذهّب كلها من أعلاها إلى أسفلها.
وذكر شيخنا ابن جبير في وصف هذا الجامع ووصف دمشق غرائب لا يتّسع لها هذا الكتاب، فلنلمّ هنا ببعض ما وصف في هذا الجامع لنفي بشرطنا. قال: هذا الجامع من أشهر جوامع الإسلام حسنا وإتقان بناء، وغرابة صنعة، واحتفال تنميق وتزيين، ومن عجيب شأنه أنه لا يلمّ به نسج العنكبوت، ولا تلمّ به الطير المعروفة بالخطاف، انتدب لبنائه الوليد، ووجّه إلى ملك الروم بالقسطنطينية يأمره بأشخاص اثني عشر ألف صانع من بلاده، وتقدّم إليه بالوعيد في ذلك إن توقّف [عنه] ، فامتثل أمره مذعنا، وشرع في بنائه، وبلغت الغاية في التأنّق فيه، وأنزلت جدره كلها بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء، وخلطت بها أنواع من الأصبغة الغريبة، قد مثلت أشجارا، وفرّعت أغصانا منظومة بالفصوص ببديع الصنعة المعجزة وصف كلّ واصف، فجاء يعشي العيون وميضا وبصيصا. وبلغت النفقة فيه أحد عشر ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار.
وكان أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه صالح النّصارى لمّا دخلها، بأن أخذ نصف الكنيسة الشرقيّ، فصيّره مسجدا، وبقي النصف الغربيّ للنصارى. فأخذه الوليد، وأدخله في الجامع بعد أن رغب إليهم أن يعوّضهم عنه، فأبوا، فأخذه قهرا. وكانوا يزعمون أنّ من يهدم كنيستهم يجنّ، فبادر الوليد، وقال: أنا أول من يجنّ في الله، وبدأ الهدم بيده، فبادر المسلمون، فأكملوا هدمها. ثم أرضاهم عمر بن عبد العزيز في خلافته عن الكنيسة بمال عظيم.
وطول هذا الجامع من الغرب إلى الشرق: ذرعه مائتا خطوة، وهما ثلثمائة ذراع، وذرعه في السعة من القبلة إلى الشمال مائة وخمس وثلاثون خطوة، وهي مائتا ذراع، وتكسيره بالمرجع المغربيّ أربعة وعشرون مرجعا، وهو تكسير مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم غير أنّ طوله من القبلة إلى الشمال، وبلاطاته المتّصلة بالقبلة ثلاث، مستطيلة من المشرق إلى المغرب، سعة كلّ بلاطة منها ثمان عشرة خطوة، وقامت البلاطات على ثمانية وستين عمودا، منها ثمانية أرجل تتخللها واثنتان مرخّمة ملصقة بالجدار الذي يلي الصخرة، وأربع أرجل مرخّمة أبدع ترخيم، مرصّعة بفصوص من الرّخام ملوّنة، قد نظمت خواتيم، وصوّرت محاريب وأشكالا غريبة قائمة في البلاط الأوسط، دور كلّ رجل منها اثنان
وسبعون شبرا، ويستدير بالصحن بلاط من ثلاث جهاته، سعته عشر خطا، وعدد قوائمه سبع وأربعون، منها أربع عشرة رجلا، والباقي سوار، وسقف الجامع كله من خارج ألواح رصاص. وأعظم ما فيه قبة الرصاص المتّصلة بالمحراب، وهي سامية في الهواء، عظيمة الاستدارة، وقد استقلّ بها هيكل عظيم، هو عماد لها يتّصل من المحراب إلى الصحن والقبّة، قد أغصّت بالهواء، فإذا استقبلتها رأيت مرأى هائلا، ومن أيّ جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء، كأنها معّلقة في الجوّ، وعدد شمسياتها الزجاجية المذهبة الملونة أربع وسبعون، فإذا قابلتها الشمس واتصل شعاعها بها انعكس الشعاع إلى كلّ لون منها، واتصل ذلك بالجدار القبليّ، ويتصل بالأبصار منها أشعة ملوّنة هائلة لا تبلغ العبارة تصوّرها، ومحرابه من أعجب المحاريب الإسلامية حسنا وغرابة صنعة يتقد ذهبا كلّه، وقد قامت في وسطه محاريب صغار متصلة بجداره، تحفّها سويريات مفتولات فتل الأسورة، فإنها مخروطة، بعضها أحمر، كأنها مرجان لم ير شيء أجمل منها.