إذا أطلع الدهر حرّا لبيبا ... فكن في ابنه سيّىء الاعتقاد
فلست ترى من نجيب نجيبا ... وهل تلد النّار غير الرّماد!
ولما أوجع الفقر والحرمان القاضي عبد الوهاب لأجل أدبه على ما شرطوا في
الأدب، تمنّى الكفاف ولزوم العلم إلى الممات، فقال: [البسيط]
يا لهف نفسي على شيئين لو جمعا ... عندي لكنت إذا من أفضل البشر
كفاف عيش كفاني ذلّ مسألة ... وخدمة العلم حتى ينقضي عمري
فلما فتح عليه باب الرزق مات، على ما يأتي ذكره، فسبحان من أنفذ حكمه في خلقه كيف شاء!
* * * فقلنا له: أما أنت فقد صرّحت أبياتك بفاقتك، وعطب ناقتك، وسنمطيك ما يوصّلك إلى بلدك، فما مأربة ولدك؟ فقال له: قم يا بنيّ كما قام أبوك، وفه بما في نفسك لا فضّ فوك. فنهض نهوض البطل للبراز، وأصلت لسانا كالعضب الجراز، وأنشأ يقول: [المجتث]
يا سادة في المعالي ... لهم مبان مشيده
ومن إذا ناب خطب ... قاموا بدفع المكيده
ومن يهون عليهم ... بذل الكنوز العتيده
أريد منكم شواء ... وجردقا وعصيده
فإن غلا فرقاق ... به توارى الشّهيده
أو لم يكن ذا ولا وذا ... فشبعة من ثريده
فإن تعذّرن طرّا ... فعجوة ونهيده
فأحضروا ما تسنّى ... ولو شظى من قديده
وروّجوه فنفسي ... لما يروج مريده
والزّاد لا بدّ منه ... لرحلة لي بعيده
وأنتم خير رهط ... تدعون عند الشّديده
أيديكم كلّ يوم ... لها أياد جديده
وراحكم واصلات ... شمل الصّلات المفيده
وبغيتي في مطاوي ... ما ترفدون زهيده
وفيّ أجر وعقبى ... تنفيس كربي حميده
ولي نتائج فكر ... يفضحن كلّ قصيده
قوله: «صرحّت» بينت. فاقتك: فقرك، وتصريح أبياته بعطب ناقته هو قوله، «أبدع
بي» المتقدّم، وفي معناه: أنّ أعرابيّة خرجت إلى الحجّ، فلما كانت ببعض الطريق عطبت ناقتها، فرفعت يديها إلى السماء وقالت: يا ربّ أخرجتني من بيتي إلى بيتك، فلا بيتي ولا بيتك! قوله: «نمطيك» نعطيك مطيّة. مأربة: حاجة. فه: تكلّم. فضّ: كسر.