وانحدر حتى بلغ إلى فم نهر الأبلة فتغدّوا وشربوا، وأمر جواريه فغنّين، فغنت إحداهنّ للنابغة: [البسيط]
بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما [1]
ومعبد ساكت في ثياب السّفر، حتى سكتت، فصاح: يا جارية، غناؤك ليس بمستقيم، فغضب مولاها، وقال: وما أنت والغناء! ثم غنّت الثانية بشعر عبد الرحمن بن أبي بكر: [الرمل]
يا بنة الأزديّ قلبي كئيب ... مستهام عندها ما ينيب [2]
ولقد قالوا فقلت دعوني ... إنّ من تنهون عنه حبيب
إنّما أفني عظامي وجسمي ... حبّها، والحبّ شيء عجيب
فصاح معبد: يا جارية، قد أخللت بهذا الصوت إخلالا شديدا! فازداد غضبا مولاها، وقال: ويلك! أما تكفّ عن هذا الفضول! ثم غنّت أخرى لكثيّر فقالت:
[الطويل]
خليليّ عوجا سلّما ساعة معي ... على الرّبع نقضي حاجة ونودّع [3]
وقولا لقلب قد سلا: راجع الهوى ... وللعين أذرى من دموعك أو دعي
فلا عيش إلا مثل عيش مضى لنا ... مصيفا أقمنا فيه من بعد مربع
فقال معبد: ما قومتنّ صوتا واحدا، فقال له الرجل: والله ما أراك تدع هذا الفضول بوجه ولا حيلة، وأقسمت بالله لئن عاودته لأخرجنّك من السفينة، فاندفع معبد يغني الصوت الأوّل، فصاح الجواري: أحسنت والله يا رجل! فأعده، قال: لا ولا كرامة، ثم غنى الثاني، فقلن لسيدهنّ: هذا والله أحسن الناس غناء، فاسأله أن يعيد لعلّنا أن نأخذه، ثم غنّى الثالث فزلزل عليهم السفينة، فوثب الرجل وقبّل رأسه، وقال: أخطأنا عليك، فأسألك أن تنزل إليّ، فأبى فلم يزل به حتى نزل، وقال له: من أين أخذ جواريك هذا الغناء؟ قال: من جارية أخذت عن أبي عباد معبد، ثم استأثر الله بها، وكانت منّي محل الروح من الجسد، فلذلك أفضل معبدا على جميع المغنيين، فقال له معبد: وإنك لأنت هو! أفتعرفني؟ قال: لا، فصك معبد بيده صلعته، وقال: فأنا والله معبد، وإليك قدمت
(1) عجزه:
واحتلّت الشرع فالأجراع من إضما
والبيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص 61، ولسان العرب (أضم) ، (جذم) ، وتاج العروس (أضم) ، ومقاييس اللغة 1/ 439، ومجمل اللغة 1/ 418، وبلا نسبة في لسان العرب (آ) .
(2) الأبيات بلا نسبة في الأغاني 1/ 50.
(3) الأبيات لكثير في الأغاني 1/ 50، وليست في ديوانه.