فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 1453

ومات وهو أشعر أهل زمانه، وقال رأيت جريرا في منامي ينشد شعرا، فلما فرغ

أخذ كبّة شعر فألقاها في فمي، فابتلعتها، فتأوّلت ذلك أنه ورثني الشعر.

ومرّ به شيخ وهو في الحديث، فقال لجلسائه: هذا أشبه النّاس بجرير الذي رأيت، فسئل الشيخ، فإذا هو عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير. ومن شعره يفتخر: [الطويل]

إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي ... وقام بنصري خازم وابن خازم

عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثّريا قاعدا غير قائم

وسمعهما الأصمعي فاستحسنهما، وأعجب بهما وفضلّهما.

ودخل على مروان بن أبي حفصة وهو يتحدث مع أبيه فأنشده: [الطويل]

إذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بنصري خازم وابن خازم

عطست بأنف البيت.

فجعل إبراهيم يحدّث مروان، وهو ساه عنه، فقال: ما لك لا تجبيني فقال: إنك ما تدري ما أفرغ ابنك في أذني. ووجه إليه أحمد بن هشام بزعفران رطب وكتب إليه:

[البسيط]

اشرب على زعفران الرّطب متّكئا ... وأنعم نعمت بطول اللهو والطرب

فحرمة الكأس بين الناس واجبة ... كحرمة الودّ والأرحام والأدب

فأجابه إسحاق الموصلي: [البسيط]

اذكرّ أبا جعفر حقّا أمتّ به ... أنّي وإياك مشغوفان بالأدب

وأنّنا قد رضعنا الكأس درّتها ... والكأس حرمتها أولى من النّسب

وجلس عند إبراهيم بن مصعب للشرب، فسقى الغلمان من حضر وجاء غلام قبيح الوجه بقدح إلى إسحاق، فلم يأخذ منه، فقال له إبراهيم: لم لا تشرب؟ فقال: [البسيط]

أصبح نديمك أقداحا تسلسلها ... من الشّمول وأتبعها بأقداح

من كفّ ريم مليح الوجه ريقته ... بعد الهجوع كمسك أو كتّفاح

لا أشرب الراح إلا من يدي رشإ ... تقبيل راحته تغني عن الرّاح

فدعا له بوصيفة تامة الحسن، في زيّ غلام، عليها أقبية ومنطقة، فسقته حتى سكر، ثم أمر بتوجيهها إليه بكلّ ما معها إلى داره.

ومن طرف إسحاق، أن كلثوما العتابي كان من العلم وغزارة الأدب وكثرة الحفظ والترسل والنظم على ما لم يكن عليه أحد، فحضر مجلس المأمون، فوضع بين يديه ألف دينار، وغمز إسحاق بالعبث به، فأقبل إسحاق يعارضه في كل باب ويزيد عليه، وهو لا يعرف إسحاق، فقال: أيأذن أمير المؤمنين في نسبة هذا الرجل، والسؤال عن اسمه؟

فقال: أفعل، فقال له العتابي: ما اسمك ومن أين أنت؟ فقال: أنا من الناس، واسمي كل

بصل، فقال له العتابي: أما النسبة فمعروفة، وأما الاسم فمنكور، فقال له إسحاق: ما أقلّ إنصافك، أو ما كلثوم من الأسماء! فالبصل أطيب من الثوم! فقال له العتابي: قاتلك الله، ما أملحك! ما رأيت كالرجل حلاوة، أيأذن أمير المؤمنين في صلته بما وصلني، فقد والله غلبني؟ فقال له المأمون: بل ذلك موفور عليك، وأمر له بمثله. فانصرف إسحاق إلى منزله، ونادمه العتابي بقية يومه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت