ما غرّد الديك ليلا في تنبّهه ... إلا حثثت إليك السّير مجهودا
ولا هدت كلّ عين لذّ راقدها ... بنومة في لذيذ العيش ممهودا
إلا امتطيت الدّجى شوقا إليك ولو ... أصبحت في حلق الأقياد مصفودا
أسعى مخاطرة بالنّفس يا أملي ... والليل مدّرع أثوابه السّودا
فلم ترقّ ولم ترث لذي دنف ... زودته حرقات القلب تزويدا
هيهات لا غدر في جنّ ولا بشر ... من الخلائق إلا فيك موجودا
ثم قال لي: خرّق رقعة مانويّة، فخرقنها، ثم مضيت فلقيت عرددا المصاب، وحوله الصبيان، وهو يلطم وجهه، ويقول: يأيها الناس، الفراق مرّ المذاق، فقلت: يا أبا محمد، من أين أقبلت؟ فقال شيّعت الحاجّ إذ كان لي فيهم سكّن، وقلت في ذلك:
[الطويل]
هم ارحلوا يوم الخميس غدّيّة ... وودعتهم لمّا استقلّوا وودّعوا
فلما تولّوا ولّت النّفس معهم ... فقلت: ارجعي قالت: إلى أين أرجع؟
إلى جسد ما فيه لحم ولا دم ... وما هو إلّا أعظم تتقعقع
وعينان قد أعماهما الحزن والبكا ... وأذن عصت عذّالها ليس تسمع
وجعيفران من مجانين الكوفة، أعطاه رجل درهما، وقال له: قل شعرا على قافية الجيم، فقال بديها: [مجزوء الخفيف]
عادني الهمّ فاعتلج ... كلّ همّ إلى فرج
سلّ عنك الهموم بال ... كأس والراح تنفرج
وهو القائل: [المجتث]
ما جعفر لأبيه ... ولا له بشبيه
أضحى لقوم كثير ... فكلّهم يدّعيه
هذا يقول بنيّي ... وذا يخاصم فيه
والأمّ تضحك منهم ... لعلمها بأبيه
وقال ماني: [البسيط]
من الظّباء ظباء عمّها السّحب ... وحليها الدّرّ والياقوت والذّهب
يا حسن ما سرقت عيني وما انتهبت ... والعين تسرق أحيانا، وتنتهب
إذا يد سرقت فالحدّ يقطعها ... والحدّ في سرق العين لا يجب
وله أيضا: [الطويل]
له وجنات في بياض وحمرة ... فحافاتها بيض وأوساطها حمر
رقاق يجول الماء فيها كأنّها ... زجاج أجيلت في جوانبها الخمر
وأشعار المجانين في هذا الباب أكثر من أن تحصى.
* * * فاقتعدت مهريّا، واعتقلت سمهريّا، وسرت تلفظني أرض إلى أرض، ويجذبني رفع من خفض، حتّى بلغتها نقضا على نقض. فلمّا أنخت بمغناها
الخصيب، وضربت في مرعاها بنصيب، نويت أن ألقي بها جراني، وأتّخذ أهلها جيراني، إلى أن تحيا السّنة الجماد، وتتعهّد أرض قومي العهاد، فوالله ما تمضمضت مقلتي بنومها، ولا تمخّضت ليلتي عن يومها، دون أن ألفيت أبا زيد السّروجيّ يجول في أرجاء نصيبين، ويخبط بها خبط المصابين والمصيبين، وهو ينثر من فيه الدّرر، ويحتلب بكفّيه الدّرر. فوجدت بها جهادي قد حاز مغما، وقدحي الفذّ قد صار توأما، ولم أزل أتبع ظلّه أينما انبعث، وألتقطّ لفظه كلّما نفت، إلى أن عراه مرض امتدّ مداه، وعرقته مداه، حتى كاد يسلبه المحيا، ويسلمه إلى أبي يحيى.