وأصل هذا أن الفرس كان فيهم الملك، وكانت العرب تحت حكم ملوكهم، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لملكهم بكتابه يدعوهم إلى الإسلام، مزّقوه، فدعا الله عليهم أن
يمزقوا كلّ ممزق، فأوقع بهم المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد حروب شديدة معظمها بالقادسية، فلم يبق لهم في الملك رسم، وصاروا في خلافة عثمان رضي الله عنه تحت حكم المسلمين، وكانوا أهل دهاء وجراءة وحروب ورماية، فسكن من بقي منهم الأمصار، واستعربوا وتفقهوا. فكان منهم من نفع الله به المسلمين، وكان منهم أهل أهواء وبدع، ونشأت منهم هذه الطائفة الخسيسة أهل الكدية، فكانوا يطوفون على البلدان، ويقولون: نحن من بني ساسان، فينتسبون إلى ملوكهم، ثم يتذللّون في السؤال، ويذكرون تلاعب الدهر وانقلاب حال الملوك إلى السؤال، فيقع الإشفاق عليهم، والميل بالرزق لهم، حتى شعر الناس بمكرهم وخديعتهم، فطردوا، وصار الناس إذا رأوا سائلا متمسكا قالوا. ساساني، وقيل: إنّ ساسان اسم رجل معين، وهو أول من أسس الكدية، فنسبوا إليه، كما أنّ الطفيلي منسوب إلى رجل اسمه طفيل وهو أول من تطفل، فأراد أن أبا زيد كان يتنوع في أحواله، فيتمسكن تارة ويدعي أنه من ساسان، ويتعاظم أخرى فينتسب إلى غسان، ويبرز مرة في أحلاس الشعراء المكدين، ويظهر ثانية في ثياب فاخرة، ولباس الكبراء المثرين.
* * * بيد أنّه مع تلون حاله، وتبيّن محاله، يتجلى برواء ورواية، ومداراة ودراية، وبلاغة رائعة، وبديهة مطاوعة، وآداب بارعة وقدم لأعلام العلوم فارعة، فكان لمحاسن آلاته، يلبس على علاته، ولسعة روايته، يصبي إلى رؤيته، ولخلابة عارضته يرغب عن معارضته ولعذوبة إيراده يسعف بمراده فتعلّقت بأهدابه لخصائص آدابه، ونافست في مصافاته، لنفائس صفاته. [الطويل]
فكنت به أجلو همومي وأجتلي ... زماني طلق الوجه ملتمع الضّيا
أرى قربه قربي ومعناه غنية ... ورؤيته ريّا، ومحياه لي حيا
قوله: «بيد أنه» ، أي غير، محاله: باطله: والمحال ما لا يمكن أن يتصور، وهو «مفعل» من حال الشيء، إذا تغير، كأنه أزال عن وجهه. يتجلى: يتزين. رواء: نظافة وحسن منظر، مدارة: حسن سياسة في صحبته، وأصلها المخادعة، دراية ودرية: مصدر دريت، بلاغة: فصاحة، رائعة: معجبة، ومن شاهدها ارتاع وتعجب، والبديهة والبداهة:
الأخذ في الكلام من غير فكرة، وهي الإرتجال. مطاوعة: منقادة بارعة: فائقة تفضل غيرها أعلام: جبال فارعة: طائلة قد علتها، واللام في قوله: «لأعلام» زائدة، وزيادتها إذا تقدمت أحسن منها إذا تأخرت، مثل ضربت زيدا ولزيد ضربت، آلاته: عدده، وأراد به هذه الأنواع التي قدمها التي تحلى بها يلبس: يصاحب ويخالط علاته: عيوبه التي ذكر من أنواع الغربة، سعة روايته: كثرة علمه وما يرويه. يصبى: يمال. خلابة: خداع، وقد
خلبه خلبا وخلابة: خدعه، عارضته: قوة كلامه. معارضته: مقابلته ومناقضة كلامه، وتقول: رغبت عن الشيء تركته وتزهدت فيه، ورغبت فيه، إذا أحببته، فيريد أنّه لقوّة كلامه وصلابته لا يتعرّض أحد لجداله فهو يخادع به الناس حتى لا يعترض له فيما يقول، وقيل: معنى فلان شديد العارضة، إذا أفحش وأسمع المكروه، ورجل شديد العارضة، أي لا تقرب ناحيته، إيراده: أخذه في الكلام، يسعف: يساعد، أهدابه: أطراف ثوبه وخصائص الشيء: ما يختص به، أي ينفرد، نافست: زايدت وغاليت مصافاته: